مقالات الرأي

حين تتحدث المستندات كيف اصطدمت قرارات الدوله بتصرفات جمعيه مكه الزراعيه

بقلم/ حسين أبوالمجد حسن
كاتب وباحث في الشؤون السياسية وقضايا المال العام
في دولة تُعلن على أعلى مستوى أن لا أحد فوق القانون، تصبح المستندات الرسمية هي الحكم العادل بين الادعاء والإنكار. وفي قضية جمعية «مكة التعاونية الزراعية»، لا نتحدث عن روايات متداولة أو اتهامات مرسلة، بل عن خطابات رسمية صادرة عن وزارة الزراعة والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، تكشف وقائع تستوجب التوقف والمساءلة.
المستند الأول: فحص رسمي يكشف الخروج على القرار الجمهوري
خطاب صادر عن الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية (GARPAD) وموجّه إلى رئيس قطاع استصلاح الأراضي، يتضمن نتائج فحص رسمي لموقف أراضٍ محل تصرف منسوب إلى جمعية مكة الزراعية.
الخطاب يقرر بوضوح أن هناك تصرفات تمت خارج نطاق القرار الجمهوري رقم 13 لسنة 2011، وهو القرار الذي حدّد بدقة المساحات المخصصة للجمعيات التعاونية الزراعية. ويورد المستند أرقامًا ومساحات محددة، ويؤكد أن بعض هذه التصرفات وقعت خارج المساحات المعتمدة، مع طلب تحديد دقيق للمساحات محل المخالفة.
وهنا تبرز أولى الإشارات الخطيرة:
نحن أمام خروج موثق على قرار جمهوري، وليس مجرد مخالفة إجرائية عابرة.
المستند الثاني: اعتراف رسمي بوجود عقود بيع بلا صفة
أما الخطاب الثاني، الصادر عن وزارة الزراعة – المكتب الفني بتاريخ 18 نوفمبر 2015، فيحمل دلالة أخطر؛ إذ يقرر صراحةً أنه:
تم تحرير عدد (4) عقود بيع ابتدائي منسوبة إلى جمعية مكة الزراعية،
بإجمالي مساحة 980 فدانًا في نطاق (الكريمات – أطفيح – الجيزة)،
وأن هذه المساحات تقع خارج المساحات المخصصة للهيئة بالقرار الجمهوري.
الأخطر من ذلك، أن المستند يضيف جملة فاصلة لا تحتمل التأويل:
“الجمعية ما زالت قائمة وغير منحلة، والهيئة لا تتعامل معها ككيان اعتباري ولا تتعامل مع الأفراد.”
وهي جملة قانونية معناها المباشر أن:
الجمعية منزوعة الصلاحية في التصرف،
وأي عقود بيع صدرت عنها تكون محل بطلان قانوني لانتفاء الصفة والاختصاص.
من العلم إلى الاستمرار: أين تكمن الخطورة؟
الخطاب الثاني يؤكد كذلك أن الهيئة قامت بمخاطبة الجمعية لإعمال شؤونها، أي أن:
المخالفات كانت معلومة ومثبتة،
والإنذار وقع بالفعل،
وأي تصرف لاحق بعد هذا التاريخ لا يمكن تكييفه كخطأ غير مقصود.
هنا تنتقل القضية من نطاق “الاشتباه” إلى نطاق المسؤولية:
مسؤولية من تصرّف، ومسؤولية من علم، ومسؤولية من سكت.
أسئلة مشروعة تفرضها المستندات
استنادًا إلى ما ورد حرفيًا في الخطابين، تفرض نفسها أسئلة لا يمكن القفز فوقها:
كيف تم تحرير عقود بيع ابتدائي رغم انعدام الصفة القانونية؟
ولماذا استمرت التصرفات رغم صدور مخاطبات رسمية وقرارات جمهورية واضحة؟
ومن الجهة التي كان يجب عليها وقف هذا المسار، ولم تفعل؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا، بل استحقاقًا قانونيًا يفرضه ما ورد في أوراق الدولة نفسها.
الخلاصة
ما بين المستندين، تتشكل صورة لا يمكن تجاهلها:
وقائع مثبتة، ومساحات محددة، وقرارات جمهورية قائمة، ومخاطبات رسمية تؤكد العلم بالمخالفة.
وفي دولة تحارب الفساد بالفعل لا بالخطاب، يبقى الفيصل هو:
فتح تحقيق جاد يضع كل تصرف تحت مظلة القانون، دون حماية أو استثناء.
يتبع…
(مع مستندات أخرى قيد النشر)

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى