مصر ليست ساحة للتجارب.. واختيار رئيس الدولة مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الشخصية
كتب: أيمن بحر
في الأوطان الكبرى لا تكون القرارات المصيرية مجالا للمغامرة أو الانفعال ولا ينبغي أن تتحول مسؤولية اختيار رئيس الدولة إلى مجرد شعارات انتخابية أو صراعات سياسية فمصر دولة ذات ثقل تاريخي واستراتيجي كبير وتعيش في محيط إقليمي شديد التعقيد تتشابك فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية وتفرض فيه المتغيرات الدولية حسابات دقيقة على صانع القرار
إن منصب رئيس الجمهورية ليس مجرد موقع سياسي أو وجاهة اجتماعية بل هو مسؤولية وطنية وتاريخية تتعلق بأمن أكثر من مائة مليون مواطن وبحماية مؤسسات الدولة والحفاظ على مقدرات الوطن وصون استقلال قراره الوطني
ومن هذا المنطلق فإن تقييم أي قيادة سياسية يجب أن يستند إلى الخبرة والقدرة على إدارة الأزمات وفهم طبيعة التحديات الداخلية والخارجية وامتلاك الرؤية التي تستطيع التعامل مع ملفات الأمن القومي والاقتصاد والعلاقات الدولية
وعند الحديث عن الرئيس عبد الفتاح السيسي فإن خلفيته العسكرية وخبرته السابقة في الملفات الأمنية والاستخباراتية تمثلان أحد العناصر التي يراها مؤيدوه مهمة في تقييم قدرته على التعامل مع التحديات الإقليمية وحماية الأمن القومي المصري وهي خبرة تستحق الدراسة والتقييم الموضوعي إلى جانب تقييم الأداء السياسي والاقتصادي والخدمي خلال سنوات توليه المسؤولية
لكن الوطنية الحقيقية لا تعني أن نغلق أبواب النقاش أو أن نعتبر كل سؤال تشكيكا وكل اختلاف خصومة فالدولة القوية لا تخشى الحوار والمواطن الواعي من حقه أن يسأل عن نتائج المشروعات الكبرى وعن مستوى الخدمات وعن الأوضاع الاقتصادية وعن مدى تحقيق الخطط المعلنة لأهدافها وأن يطالب برقابة ومحاسبة حقيقية في إطار الدستور والقانون
كما أن استكمال المشروعات والخطط القائمة يجب أن يخضع دائما لمعيار المصلحة العامة والجدوى الاقتصادية والنتائج الملموسة على حياة المواطنين فليس المطلوب مجرد الاستمرار في أي تجربة وإنما المطلوب البناء على ما تحقق وتصحيح أوجه القصور ومعالجة الأخطاء وتحقيق الأفضل للمواطن المصري
أما فكرة أن من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه فهي وجهة نظر يمكن مناقشتها لكنها لا تصلح وحدها أساسا للاختيار فالأوطان لا تدار بالمخاوف ولا بالمغامرات وإنما بالكفاءة والبرامج الواضحة والقدرة على تحمل المسؤولية واحترام إرادة الشعب وأحكام الدستور
وأرى أن مصر في هذه المرحلة تحتاج إلى خطاب وطني مسؤول يوازن بين الحفاظ على استقرار الدولة وحق المواطنين في النقد والمساءلة وبين تقدير الخبرات والإنجازات وعدم تجاهل التحديات التي ما زالت تحتاج إلى حلول
فالتأييد ليس تطبيلا والمعارضة ليست خيانة والنقد البناء ليس انتقاصا من الدولة بل إن قوة مصر الحقيقية تكمن في وعي شعبها وتماسك مؤسساتها واحترام القانون وقدرتها على تصحيح المسار
إن مصر أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب ومستقبلها لا ينبغي أن يكون رهنا بالعواطف أو الخصومات السياسية بل يجب أن يكون نتاج اختيار واع ومسؤول يضع مصلحة الشعب وأمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار
تحيا مصر بشعبها وجيشها وشرطتها ومؤسساتها الوطنية



