عندما عجزت القوة الأمريكية أمام رمال إيران
عملية مخلب النسر عام 1980 درس عسكري كشف حدود التكنولوجيا وأربك حسابات البيت الأبيض
بقلم أيمن بحر
في صفحات التاريخ العسكري العالمي توجد معارك لا تُقاس نتائجها بحجم القوات المشاركة فيها أو بما تمتلكه الجيوش من أسلحة متطورة وإنما بما تكشفه من حقائق استراتيجية قد تغيب عن حسابات أقوى الدول
ومن أغرب هذه الوقائع العملية العسكرية الأمريكية المعروفة باسم مخلب النسر والتي نفذتها الولايات المتحدة في أبريل عام 1980 بهدف تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين داخل السفارة الأمريكية في طهران بعد الثورة الإيرانية
كانت واشنطن تعيش واحدة من أصعب أزماتها السياسية والدبلوماسية بعدما اقتحم مسلحون إيرانيون السفارة الأمريكية في الرابع من نوفمبر عام 1979 واحتجزوا عشرات الأمريكيين في أزمة استمرت 444 يوما
وجد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر نفسه أمام أزمة تهدد مكانة بلاده الدولية وتضع مستقبله السياسي على المحك خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية
وهنا اتخذت الإدارة الأمريكية قرارا بتنفيذ واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيدا في ذلك الوقت
حملت العملية اسم مخلب النسر وشاركت فيها وحدات من القوات الخاصة الأمريكية وقوات دلتا وطائرات نقل عسكرية من طراز سي 130 وثماني مروحيات من طراز آر إتش 53 دي إلى جانب دعم بحري وجوي
كانت الخطة تعتمد على الوصول إلى منطقة صحراوية سرية داخل الأراضي الإيرانية عرفت باسم النقطة الصحراوية الأولى ومنها تنطلق القوات لتنفيذ عملية تحرير الرهائن والانسحاب بهم
لكن ما حدث في صحراء إيران تحول إلى واحدة من أكثر الإخفاقات العسكرية إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي
بدأت المشكلات عندما اقتربت مركبات مدنية من منطقة العمليات حيث اعترضت القوات الأمريكية حافلة ركاب وأوقفت ركابها مؤقتا ثم ظهرت شاحنة يشتبه في استخدامها لتهريب الوقود وعندما لم تتوقف أطلقت القوات الأمريكية عليها قذيفة مضادة للدروع فتحولت الشاحنة إلى كرة من النيران
وبينما كانت القوات تحاول السيطرة على الموقف بدأت الطبيعة تفرض كلمتها
واجهت المروحيات الأمريكية عاصفة ترابية شديدة عرفت باسم الهابوب أدت إلى تراجع الرؤية وصعوبة الملاحة إلى جانب الأعطال الفنية والميكانيكية التي أصابت عددا من الطائرات
ومن أصل ثماني مروحيات انطلقت لتنفيذ المهمة وصلت ست إلى نقطة التجمع بينما تعذر استمرار إحداها بسبب مشكلات فنية وعندما وصلت القوات إلى المرحلة الحاسمة تبين أن عدد المروحيات الصالحة للتنفيذ أصبح خمس مروحيات فقط وهو أقل من الحد الأدنى المطلوب لاستكمال المهمة
أمام هذا الوضع اتخذ القائد الميداني قرار إلغاء العملية
لكن الكارثة الكبرى لم تكن قد وقعت بعد
فأثناء الاستعداد للانسحاب اصطدمت إحدى المروحيات بطائرة نقل عسكرية من طراز سي 130 كانت محملة بالوقود والجنود واندلع انفجار هائل أدى إلى تدمير الطائرتين ومقتل ثمانية من العسكريين الأمريكيين خمسة من أفراد القوات الجوية وثلاثة من مشاة البحرية
وانسحبت القوات الأمريكية تاركة خلفها معدات وطائرات ومروحيات ومعلومات عسكرية أصبحت في أيدي الإيرانيين
وهكذا انتهت العملية دون تحرير الرهائن ودون تحقيق الهدف الذي أُعدت من أجله واحدة من أعقد الخطط العسكرية الأمريكية
لم تكن الخسارة مجرد فشل في مهمة إنقاذ وإنما كانت صدمة سياسية وعسكرية لإدارة جيمي كارتر الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريجان في نوفمبر عام 1980
وفي العشرين من يناير عام 1981 أُفرج عن الرهائن الأمريكيين بعد توقيع اتفاقات الجزائر التي أنهت الأزمة رسميا بالتزامن مع تولي ريجان الرئاسة
أما الدرس الأهم الذي خرجت به المؤسسة العسكرية الأمريكية فلم يكن مجرد الاعتراف بقوة العواصف الرملية أو خطورة الأعطال الفنية وإنما كان إدراكا لحجم القصور في التنسيق بين القوات المختلفة وضرورة تطوير منظومة العمليات المشتركة
وقد ساهم فشل مخلب النسر في دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تنظيم وتطوير قوات العمليات الخاصة وإنشاء قيادة موحدة للعمليات الخاصة الأمريكية في السنوات التالية
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة استراتيجية مهمة
إن امتلاك أحدث الأسلحة والطائرات والأقمار الصناعية لا يعني امتلاك ضمان مطلق للنجاح العسكري فالحروب والعمليات الخاصة لا تحسمها التكنولوجيا وحدها وإنما تحكمها دقة المعلومات وكفاءة القيادة والتنسيق بين الوحدات والقدرة على التعامل مع المفاجآت والظروف الطبيعية والبشرية
لقد أثبتت واقعة مخلب النسر أن القوة العظمى يمكن أن تواجه إخفاقا قاسيا عندما تتداخل الأخطاء الفنية مع سوء تقدير الظروف الميدانية وضعف التنسيق
أما الحديث عن أن ما حدث كان تدخلا إلهيا أو مجرد سوء حظ فهو يدخل في نطاق الاعتقاد والتفسير السياسي والديني ولا يمكن تحويله إلى حقيقة عسكرية مثبتة
لكن المؤكد أن صحراء طبس أصبحت شاهدا على واحدة من أكثر اللحظات إحراجا للولايات المتحدة الأمريكية
والرسالة التي يجب أن تقرأها كل دولة من هذه الواقعة أن قوة الجيوش لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة متطورة وإنما بما تمتلكه من علم وانضباط وتخطيط وقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة
ففي عالم الصراعات لا توجد قوة لا تخطئ ولا توجد تكنولوجيا تستطيع إلغاء حسابات الطبيعة أو ضمان النصر المطلق
وهذا هو الدرس الذي تركته عملية مخلب النسر في ذاكرة التاريخ العسكري العالمى



