المثلث الذهبى من كنز تحت الأرض إلى قلعة صناعية فى صعيد مصر

المثلث الذهبى من كنز تحت الأرض إلى قلعة صناعية فى صعيد مصر
كتب: أيمن بحر
سنوات طويلة ظل المثلث الذهبى فى صعيد مصر حاضرا باعتباره واحدا من أهم المناطق الواعدة بالثروات التعدينية وظلت الأسئلة مطروحة حول الطريقة الأفضل للاستفادة من هذه الثروات وهل تخرج الخامات من الأرض ليتم بيعها فى صورتها الأولية أم تتحول داخل مصر إلى صناعات ومنتجات ذات قيمة اقتصادية أكبر
اليوم بدأت ملامح إجابة جديدة فى الظهور مع دخول الاستثمارات الصينية على خط المثلث الذهبى من خلال مذكرة التفاهم التى جرى توقيعها فى يناير ٢٠٢٦ بين هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية وشركتى فوسفات مصر وواديكو ومجموعة شينج فا الصينية لدراسة وتقييم خامات الفوسفات والكوارتز ورمال السيليكا تمهيدا لإقامة مشروع صناعي يستهدف تعظيم القيمة المضافة لهذه الخامات
المهم فى هذه الخطوة أن الفكرة لا تتوقف عند البحث والتنقيب واستخراج الخام وإنما تستهدف إقامة مشروعات تعدينية متكاملة تبدأ من البحث عن الخامات وتنتهي بالتصنيع المتطور وهو ما يعني الانتقال من اقتصاد بيع المادة الخام إلى اقتصاد الصناعة والقيمة المضافة
الفوسفات على سبيل المثال لا ينبغي أن تكون نهايته مجرد خروج الخام من المنجم وتوجيهه إلى الأسواق وإنما يمكن أن يتحول عبر مراحل التصنيع إلى منتجات تدخل في صناعات الأسمدة والكيماويات وغيرها من الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة التعدينية
وهنا تظهر أهمية المشروع المقترح في المثلث الذهبي لأن القيمة الحقيقية للثروة المعدنية لا تقاس فقط بحجم ما يتم استخراجه من باطن الأرض وإنما بما يمكن أن يتحول إليه هذا الخام من منتجات صناعية وما يترتب على ذلك من استثمارات وفرص عمل وخبرات وتكنولوجيا وسلاسل توريد وخدمات مساندة
الاهتمام الصيني بالمثلث الذهبي يحمل كذلك بعدا صناعيا مهما فقد أعلنت مجموعة شينج فا رغبتها في ضخ استثمارات في قطاع التعدين المصري والعمل على تحويل مصر إلى مركز صناعي لعملياتها خارج الصين كما أكدت المجموعة توجهها إلى نقل تكنولوجيات حديثة والمساهمة في جعل مصر مركزا إقليميا لتصدير الكيماويات المتخصصة
وهنا تبرز أهمية الموقع المصري وما يمتلكه من ثروات معدنية إلى جانب ارتباط مناطق الإنتاج والمشروعات المستهدفة بشبكة النقل والموانئ على البحر الأحمر وهو ما يمكن أن يدعم عمليات نقل الخامات والمنتجات الصناعية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية
لكن الطريق من مذكرة التفاهم إلى المصانع العاملة ليس طريقا قصيرا فهناك دراسات فنية واقتصادية واستثمارات وتمويل وتكنولوجيا وتراخيص وبنية أساسية ومراحل تنفيذ متعددة تحتاج إلى تحويل الخطط المعلنة إلى مشروعات حقيقية على الأرض
وهذه هي النقطة الأهم في قصة المثلث الذهبي
فالمعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد أطنان الخام التي يتم استخراجها فقط وإنما حجم القيمة التي ستضاف إلى كل طن بعد التصنيع وحجم المنتجات التي ستخرج من المصانع وحجم فرص العمل التي ستنشأ وحجم الشركات والخدمات التي ستتحرك حول هذه الصناعة
إذا نجحت هذه المعادلة فإن المثلث الذهبي يمكن أن يتحول من منطقة غنية بالخامات إلى قاعدة صناعية متكاملة في صعيد مصر
فالثروة الحقيقية ليست فقط فيما تخفيه الأرض تحت الرمال والجبال وإنما في قدرة الدولة على تحويل هذه الثروة إلى صناعة وتشغيل وتكنولوجيا وتصدير وقيمة مضافة
مصر تمتلك الخامات والموقع والسوق بينما تمتلك الصين خبرات وتكنولوجيا وقدرات صناعية واستثمارية واسعة
وإذا تحولت هذه الشراكة إلى مصانع تعمل بالفعل فإن المستفيد لن يكون قطاع التعدين وحده وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى العمالة والصناعة والنقل والخدمات والهندسة والتوريدات والتصدير والتنمية العمرانية في صعيد مصر
وهنا يصبح المثلث الذهبي أكثر من مجرد منجم للثروات
بل يمكن أن يصبح مشروعا صناعيا متكاملا يصنع المستقبل من ثروات الأرض
فالذهب الحقيقي ليس دائما ما نخرجه من باطن الأرض
الذهب الحقيقي هو ما نستطيع أن نصنعه من هذه الثروات



