بين تحذيرات ترامب وتحولات الطاقة هل بدأ عصر النفط في الانحسار؟

بين تحذيرات ترامب وتحولات الطاقة هل بدأ عصر النفط في الانحسار؟
بقلم :أيمن بحر
بهدوء شديد ودون مبالغة يمكن قراءة الخلاف المتصاعد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبريطانيا من زاوية أوسع كثيرا من مجرد خلاف سياسي حول الطاقة والاقتصاد
ترامب الذي ينتقد سياسات التحول نحو الطاقة النظيفة ويدافع بقوة عن النفط والغاز يرى أن التخلي عن الوقود الأحفوري يمثل عبئا اقتصاديا كبيرا على الدول بينما تتبنى بريطانيا ودول أخرى سياسات تستهدف خفض الانبعاثات والتحول التدريجي إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون
وهنا تظهر القضية الحقيقية
لماذا تصر بريطانيا على التحول إلى الطاقة النظيفة رغم ارتفاع تكلفتها في بعض الحالات مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية
الإجابة ليست أن بريطانيا تتوقع اختفاءها تحت مياه البحر كما يروج البعض وإنما لأن بريطانيا دولة جزيرية معرضة لتأثيرات ارتفاع مستوى سطح البحر وموجات الحرارة والفيضانات والعواصف ولذلك أصبحت قضية التغير المناخي وأمن الطاقة جزءا أساسيا من حساباتها الاستراتيجية
ومن هنا جاء الاتجاه البريطاني إلى تقليل الاعتماد على النفط والغاز وتوسيع الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر وغيرها من مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات
لكن ترامب ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماما
فالولايات المتحدة تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وتملك صناعة طاقة هائلة ولذلك فإن التخلي السريع عن الوقود الأحفوري بالنسبة لترامب يمثل تهديدا لمزايا اقتصادية واستراتيجية أمريكية ضخمة
وهنا يتحول الخلاف من مجرد نقاش حول البيئة إلى صراع على شكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة
هل سيظل النفط والغاز في قلب النظام الاقتصادي العالمي أم ستتقدم الطاقة النظيفة لتصبح أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والصناعية
الإجابة لن تحددها التصريحات السياسية وحدها وإنما ستحددها الاستثمارات والتكنولوجيا وتكلفة الإنتاج وقدرة الدول على تخزين الطاقة ونقلها
وهنا تدخل مصر إلى المشهد
مصر لا تمتلك فقط موقعا جغرافيا استراتيجيا وثروات من الغاز والطاقة التقليدية وإنما تمتلك أيضا مقومات كبيرة لإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر بفضل موقعها ومساحات الأراضي المتاحة وامتداد سواحلها على البحرين الأحمر والمتوسط
كما أن الدولة المصرية تعمل على جذب الاستثمارات الصناعية والطاقة المتجددة وربط مشروعات الطاقة بمشروعات التصنيع والتصدير
وهذا الأمر يجعل التحول إلى الطاقة النظيفة بالنسبة لمصر ليس مجرد قضية بيئية وإنما فرصة اقتصادية وصناعية وجيوسياسية
فالدولة التي تستطيع إنتاج الطاقة النظيفة بتكلفة تنافسية يمكنها جذب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ويمكنها أيضا الدخول في سوق الهيدروجين الأخضر ومشتقاته الذي يتوقع أن يصبح أحد أهم أسواق الطاقة خلال العقود القادمة
ومن هنا يمكن فهم اهتمام دول كبرى بمشروعات الطاقة النظيفة في مصر
فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط على من يمتلك أكبر احتياطي نفطي وإنما أيضا على من يستطيع إنتاج الكهرباء النظيفة بكميات ضخمة ومن يستطيع تحويلها إلى صناعة وتصدير وهيدروجين أخضر ووقود نظيف
أما دول الخليج فهي أمام مرحلة تاريخية حساسة
فالثروة النفطية ستظل مهمة لسنوات طويلة لكن العالم يتحرك تدريجيا نحو تنويع مصادر الطاقة ولذلك فإن الدول النفطية تدرك أن امتلاك النفط وحده لن يكون كافيا لضمان القوة الاقتصادية في المستقبل
ولهذا نشهد استثمارات ضخمة من دول الخليج في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين والتقنيات الجديدة
أما روسيا فهي تملك واحدة من أكبر قواعد النفط والغاز في العالم ولذلك فإن انتقال الاقتصاد العالمي بعيدا عن الوقود الأحفوري يمثل تحديا استراتيجيا لها لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن روسيا ستتخلى عن الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة الجديدة والتكنولوجيا
ومصر في هذا الملف تمتلك نقطة قوة مهمة
وهي قدرتها على التعامل مع مختلف القوى الدولية دون الارتهان الكامل إلى طرف واحد
فهي تتعاون مع روسيا في مجالات استراتيجية مثل الطاقة النووية وتتعاون مع الصين في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا وتتعاون مع دول أوروبية في مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر
وهنا تصبح مصر بالنسبة للقوى الكبرى أكثر من مجرد سوق
مصر يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية
أما الحديث عن أن أمريكا ستختفي أو أن بريطانيا ستغرق بالكامل بسبب التغير المناخي فهو استنتاج مبالغ فيه لا يستند إلى حقيقة علمية مؤكدة
لكن المؤكد أن العالم يعيش بالفعل تحولا كبيرا في مفهوم القوة
قوة المستقبل لن تعتمد على النفط وحده
بل على الطاقة والتكنولوجيا والصناعة والموانئ والممرات البحرية والقدرة على إنتاج الغذاء والمياه والطاقة النظيفة
وهنا تحديدا تصبح مصر أمام فرصة تاريخية
فإذا نجحت في الجمع بين موقعها الجغرافي وشبكات الموانئ وقناة السويس والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والغاز الطبيعي ومشروعات الهيدروجين الأخضر والتصنيع المحلي فإنها تستطيع أن تكون واحدة من أهم مراكز الطاقة والصناعة في المنطقة
والرسالة الأهم من معركة ترامب مع بريطانيا ليست أن دولة ستختفي وأخرى ستبقى
بل أن قواعد اللعبة العالمية تتغير
ومن يملك طاقة رخيصة ونظيفة وصناعة قوية وتكنولوجيا متقدمة وموقعا استراتيجيا سيكون قادرا على المنافسة
ومن يعتمد على مصدر واحد للقوة دون أن يستعد للمستقبل قد يجد نفسه أمام أزمة حقيقية
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين النفط والطاقة النظيفة فقط
إنها معركة على اقتصاد العالم القادم
ومصر إذا أحسنت استغلال الفرصة قد لا تكون مجرد متفرج على هذا التحول




