حين وصف القرآن بداية الكون بكلمة واحدة

حين وصف القرآن بداية الكون بكلمة واحدة
كتب: أيمن بحر
في واحدة من أكثر الآيات القرآنية إثارة للتأمل يقول الله تعالى
﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾
منذ قرون طويلة ظلت كلمة دخان في هذه الآية تفتح أبوابا واسعة للتأمل في طبيعة الكون ومراحل نشأته
واليوم ومع التطور الهائل في علوم الفلك والفيزياء ودراسة المراحل المبكرة للكون أصبحت صورة الكون الأول أكثر تعقيدا وإثارة مما كان يتخيله الإنسان في الماضي
العلم الحديث يتحدث عن كون مبكر شديد الحرارة والكثافة مر بمراحل متتابعة قبل أن تتكون النجوم والمجرات والأجرام السماوية التي نعرفها اليوم
وهنا يتوقف المتأمل أمام التعبير القرآني وهي دخان
فالقرآن لم يستخدم تعبيرا تفصيليا عن التركيب الفيزيائي للكون الأول وإنما قدم وصفا موجزا ومكثفا لحالة السماء في مرحلة من مراحل الخلق
والدخان في اللغة العربية مرتبط بما يرتفع في الجو من أثر مادة محترقة أو شديدة الحرارة كما يحمل في صورته الحسية معنى الحجب وعدم الصفاء
ومن هنا يرى بعض الباحثين أن اختيار هذه الكلمة يحمل دلالة لافتة تتناسب مع الصورة التي يحاول العلم الحديث رسمها لبعض المراحل المبكرة في تاريخ الكون
لكن الأهم أن القرآن لم يقدم الآية باعتبارها كتابا في علم الفلك وإنما جاء خطابه موجها للإنسان كي يتأمل في عظمة الخلق وقدرة الخالق
أما ما يثار من قصص عن علماء فلك عالميين أصابتهم الصدمة بعد سماع الآية أو عن اعترافات منسوبة إلى شخصيات علمية بعينها فيجب التعامل معه بحذر شديد لأن كثيرا من هذه الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تمتلك توثيقا علميا أو تاريخيا كافيا
ومع ذلك فإن غياب التوثيق عن بعض القصص لا ينتقص من قيمة الآية ولا يمنع الإنسان من التأمل في دلالاتها
فاللافت في التعبير القرآني ليس فقط كلمة دخان وإنما السياق الكامل الذي يضع السماء والأرض أمام أمر الخالق
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
فيأتي الجواب
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
إنها صورة قرآنية عميقة ترسم مشهدا للكون كله باعتباره خاضعا لإرادة الله سبحانه وتعالى
فالنجوم والمجرات والكواكب والقوانين التي تحكم حركة الأجرام السماوية كلها تعمل ضمن نظام بالغ الدقة
والإنسان كلما تقدم في اكتشاف أسرار الكون ازداد إدراكا لحجم هذا النظام واتساعه وتعقيده
ومن هنا فإن الآية تضع الإنسان أمام حقيقة أكبر من حدود قدرته
إن هذا الكون الهائل الذي يضم مليارات المجرات وما تحتويه من نجوم وأجرام سماوية يسير وفق نظام لا يتوقف أمام رغبات البشر ولا يخضع لأهوائهم
ولهذا تأتي نهاية الآية لتعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
فالسماء والأرض في الخطاب القرآني لا تتمردان على أمر الله
والكون كله يمضي وفق السنن التي قدرها الخالق
وهنا تتحول الآية من مجرد مشهد عن بداية الخلق إلى رسالة إيمانية عميقة
إذا كان هذا الكون بكل اتساعه وعظمته خاضعا لخالقه
فكيف يظن الإنسان أنه يستطيع أن يستغني عن خالقه أو يتمرد على أمره
إن العلم كلما كشف لنا جانبا جديدا من أسرار الكون لا ينبغي أن يكون سببا في الغرور بل بابا جديدا للتواضع والتأمل
فوراء كل نجم قصة
ووراء كل مجرة نظام
ووراء كل قانون كوني قدرة
ويبقى الإنسان مهما بلغ علمه محدودا أمام اتساع هذا الكون
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يخرج به الإنسان من رحلة التأمل في بداية الكون ليس مجرد البحث عن تطابق بين المصطلحات العلمية والألفاظ القرآنية
بل أن يدرك المعنى الأعمق الذي تقود إليه الآية
أن لهذا الكون خالقا
وأن لهذا الخلق نظاما
وأن الإنسان مهما امتلك من العلم والمعرفة يظل جزءا صغيرا من هذا الكون العظيم
ويبقى السؤال الذي تتركه الآية في قلب كل متأمل
إذا كانت السماوات والأرض قد أتتا طائعين لأمر خالقهما
فهل يليق بالإنسان أن ينسى خالقه وهو يعيش في هذا الكون الذي لا يزال العلم عاجزا عن الإحاطة بكل أسراره



