مقال الرئيس الصيني في الأهرام رسائل تتجاوز الكلمات وتفتح أبواب المستقبل بين مصر والصين

مقال الرئيس الصيني في الأهرام رسائل تتجاوز الكلمات وتفتح أبواب المستقبل بين مصر والصين
كتب :أيمن بحر
هل قرأتم مقال الرئيس الصيني في جريدة الأهرام
إذا قرأناه بتمعن سنكتشف أن المقال لم يكن مجرد رسالة مجاملة بمناسبة زيارة أو مناسبة سياسية وإنما كان يحمل مجموعة من الرسائل السياسية والاقتصادية والاستراتيجية شديدة الأهمية
الرئيس الصيني عندما خاطب الشعب المصري لم يتحدث بلغة البيانات الرسمية الجافة وإنما اختار أن يخاطب الوجدان المصري مستخدما المثل الشعبي المصري الذي يقول إن من يشرب من ماء النيل لابد أن يعود إليه مرة أخرى كما استحضر المثل الصيني الذي يؤكد أن الإخلاص للأصدقاء يقرب القلوب مهما طالت المسافات
وهنا تبدأ الرسالة الأولى
الصين تنظر إلى مصر باعتبارها صديقا تاريخيا وليس مجرد شريك اقتصادي عابر
الرئيس الصيني تحدث عن الحضارتين المصرية والصينية باعتبارهما من أعرق الحضارات التي عرفها التاريخ والتي استطاعت أن تستمر حتى اليوم بينما اختفت حضارات أخرى من صفحات التاريخ
وأشار إلى أن التواصل بين الحضارتين المصرية والصينية لم يبدأ في العصر الحديث وإنما يمتد إلى قرون طويلة شهدت تبادلا تجاريا ومعرفيا وعلميا
ثم انتقل الرئيس الصيني إلى التاريخ الحديث ليستعيد مواقف لا تنساها الدول والشعوب
الصين دعمت مصر في استعادة سيادتها على قناة السويس
ومصر كانت أول دولة عربية وأفريقية توقع اتفاقية تعاون ثقافي مع الصين
وفي عام 1971 صوتت مصر في الأمم المتحدة لصالح عودة الصين إلى مقعدها الشرعي في المنظمة الدولية
وهنا يجب أن نتوقف قليلا
التاريخ لا ينسى
كل قرار تتخذه الدولة وكل موقف تتخذه القيادة وكل كلمة تقال باسم الوطن تظل محفوظة في ذاكرة الشعوب وقد تتحول بعد سنوات طويلة إلى رصيد سياسي وأخلاقي تستخدمه الدول في بناء علاقاتها وتحالفاتها
ولهذا فإن المواقف المبدئية لا تموت
وقد يأتي يوم تدرك فيه الأجيال الجديدة قيمة مواقف اتخذها أجدادها قبل عشرات السنين
وهنا نفهم معنى أن تتعامل الدول بشرف في زمن عز فيه الشرف
فالسياسة ليست أموالا فقط وليست مصالح لحظية وإنما هي أيضا ذاكرة وثقة واحترام ومواقف لا تتغير مع تغير الظروف
ثم نصل إلى الرسائل الأثقل في مقال الرئيس الصيني
الرئيس الصيني تحدث بوضوح عن أن مصر تشهد تطورا ملحوظا في بناء الجمهورية الجديدة وأنها تتحرك بخطوات ثابتة نحو أهدافها
ثم طرح رؤية واضحة لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين وبناء مستقبل مشترك يقوم على المصالح الجوهرية والاهتمامات المشتركة وتحقيق المنفعة المتبادلة والمكسب المشترك
وهنا يجب وضع خط تحت عبارة المستقبل المشترك
فالصين تمتلك التكنولوجيا المتقدمة والقدرات التصنيعية والخبرات والمعدات والقدرة التمويلية
ومصر تمتلك الموارد والخامات والسوق الكبير والموقع الجغرافي الاستثنائي وشبكة الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية ومصادر الطاقة والأيدي العاملة
ومصر ليست مجرد دولة ذات سوق كبير
مصر دولة عربية ودولة أفريقية وتقع في موقع يجعلها بوابة طبيعية للتوسع نحو الأسواق العربية والأفريقية
وهنا تصبح الشراكة المصرية الصينية أكبر من مجرد إنشاء مصنع أو تنفيذ مشروع
نحن أمام تصور لشراكة يمكن أن تمتد إلى الصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا والتجارة والتعليم والتدريب ونقل المعرفة
الصين تقدم التكنولوجيا والخبرة والمعدات والتمويل
ومصر تقدم الموارد والموقع والطاقة والسوق والكوادر والقدرة على الوصول إلى أسواق واسعة
والنتيجة المفترضة هي أن الجميع يكسب
وهذه هي الرسالة التي أكد عليها الرئيس الصيني عندما تحدث عن ضرورة العمل بروح الفريق الواحد
وهنا أيضا يجب وضع خط تحت العبارة
لأنها ليست مجرد عبارة دبلوماسية وإنما تعكس فلسفة كاملة في العلاقات الدولية تقوم على التعاون بدلا من الصراع وعلى الإنتاج بدلا من الاستنزاف وعلى الشراكة بدلا من الهيمنة
المشهد ببساطة يقول إن دولتين تمتلكان حضارتين عظيمتين وتاريخا طويلا من التواصل ومواقف متبادلة يمكن البناء عليها تستطيعان أن تضعا أساسا لشراكة جديدة في عالم يتغير بسرعة
مصر والصين لا تنظران إلى العلاقة باعتبارها صفقة مؤقتة وإنما باعتبارها علاقة استراتيجية طويلة المدى
والأهم أن المواقف المصرية التاريخية تجاه الصين أصبحت اليوم جزءا من رصيد الثقة المتبادلة
وهنا نفهم لماذا لا تتغير مواقف الدول التي تعرف قيمة التاريخ
فالمال قد يغير بعض المواقف
لكن التاريخ يصنع الثقة
والثقة تصنع الشراكات الكبرى
والشراكات الكبرى تصنع المستقبل
لكن الطريق بالتأكيد ليس مفروشا بالورود
فالمنطقة تعيش مرحلة شديدة التعقيد وهناك محاولات مستمرة لإرباك المشهد المصري والتشكيك في حالة الاستقرار الداخلي وإثارة المخاوف حول مستقبل المنطقة
ومع تصاعد الحديث عن احتمالات الصراع الإقليمي وعن العلاقات المصرية الإسرائيلية وعن اتفاقية كامب ديفيد وعن ملف سد النهضة ومياه النيل تتزايد محاولات صناعة صورة ذهنية توحي بأن مصر تقف على حافة مواجهة شاملة
وهنا يجب أن نفرق بين المخاطر الحقيقية وبين محاولات توظيف المخاوف سياسيا وإعلاميا
أما الحديث عن المياه وحقوق مصر التاريخية في النيل فهو ملف بالغ الحساسية لا يمكن اختزاله في تصريحات أو شعارات وإنما تحكمه قواعد القانون الدولي والمصالح والحقوق التاريخية للدول
والرسالة الصينية في هذا السياق تبدو أكثر وضوحا عندما أكد الرئيس الصيني توافق بلاده مع مصر في دعم الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه المشروعة
أي أن الصين لا تنظر إلى العلاقة مع مصر من زاوية اقتصادية فقط وإنما ترى أن هناك توافقا سياسيا في عدد من القضايا الكبرى
وهذا هو معنى الشراكة الاستراتيجية الحقيقية
أن يكون هناك اقتصاد وسياسة وأمن وثقافة وتاريخ ومصالح مشتركة
وفي النهاية فإن الرسالة الأهم في مقال الرئيس الصيني ربما تكون أن العالم يتجه إلى مرحلة جديدة
مرحلة لا يستطيع فيها طرف واحد أن يفرض شروطه على الجميع
وأن التعاون بين الدول التي تمتلك الموارد والتكنولوجيا والموقع والأسواق يمكن أن يصنع معادلات جديدة
ببساطة شديدة
أنت عندك الخامات وأنا عندي التكنولوجيا
أنت عندك الطاقة وأنا عندي المعدات
أنت عندك الموقع وأنا عندي الخبرة
والجميع يعمل معا
والجميع ينتج
والجميع يكسب
ورزقنا على الله
أما مصر فليست دولة تبحث عن مكان لها في العالم
مصر دولة صنعت تاريخها منذ آلاف السنين وتعرف قيمة علاقاتها ومواقفها وتدرك أن بناء المستقبل يحتاج إلى ثقة وإرادة وعمل
ولهذا فإن مقال الرئيس الصيني في الأهرام يستحق أن يقرأ بعيدا عن العناوين السريعة
لأنه يحمل رسائل سياسية واقتصادية وحضارية تتجاوز الكلمات
ورسالة واضحة بأن القاهرة وبكين تنظران إلى المستقبل باعتباره مساحة واسعة للتعاون والعمل المشترك
ويبقى أن الضيف له حق الضيافة
ومقال الرئيس الصيني كان البداية
أما مقال الرئيس عبد الفتاح السيسي فله حديث آخر ورسائل أخرى تستحق أن نتوقف أمامها




