مقالات الرأي

حكاية سور الشيخ عيسى العظيم في محافظة قنا بين الذاكرة الشعبية وشواهد التاريخ

حكاية سور الشيخ عيسى العظيم في محافظة قنا بين الذاكرة الشعبية وشواهد التاريخ

كتب :أيمن بحر

في قلب منطقة الحريدي بمحافظة قنا تقف حكاية تناقلتها الأجيال عن سور عظيم عرفه الأهالي قديمًا باسم سور البحر وظلت بقاياه حاضرة في ذاكرة كبار السن حتى بعد أن أخفتها تعاقب السنين وامتداد العمران.

لم يكن هذا السور في نظر أبناء المنطقة مجرد بناء قديم بل كان يمثل جزءًا من تاريخ القرية وحدودها القديمة حيث يبدأ مساره من عزبة الخروف شمالًا ثم يمر بمناطق وبيوت وأراضٍ ما زالت معروفة لدى الأهالي ويلتف خلف المسجد العتيق وأرض بيت بهيج ثم يمتد إلى بيت أحمد حسن كرار وبيت منطلب وأرض بيت أبو جلال وصولًا إلى مقام الشيخ عيسى ثم يتجه ناحية طاحون شبيب ويواصل طريقه مرورًا ببيت حسين سليمان وبيت حسن إبراهيم ثم خلف بيت عبد الجليل حتى كرم بيت أبو جودة عند أطراف نجع الجرفية والقليعات ليشكل قوسًا يحيط بالقرية كما ترويه الذاكرة الشعبية.

ويرى عدد من أبناء المنطقة والمهتمين بتاريخها أن هذا المسار لم يكن عشوائيًا وإنما يعكس تخطيطًا دفاعيًا هدفه حماية التجمعات السكنية والأراضي الزراعية ومصادر المياه والطواحين في زمن كانت فيه القرى تعتمد على التحصينات لمواجهة الأخطار والغارات.

وتستند هذه الروايات إلى ما يقال عن وجود إشارات للمنطقة في بعض الخرائط التاريخية القديمة ومنها خرائط الحملة الفرنسية ووصف مصر وغيرها من الوثائق التي ذكرت منطقة الحريدي كما يربط البعض اسم الحريدي بكلمة الحرجة التي ظل الأهالي يرددونها عبر أجيال متعاقبة في إشارة إلى تلك البقعة.

كما يذهب بعض الباحثين المحليين إلى احتمال أن يكون السور قد أقيم فوق أساسات أقدم تعود إلى عصور سابقة وربما ارتبط بفترات الحكم الروماني أو البيزنطي إلا أن هذه الفرضيات ما زالت بحاجة إلى دراسات أثرية ومسوحات علمية متخصصة يمكنها حسم تاريخ إنشاء السور وطبيعته ووظيفته الحقيقية.

وتزداد أهمية هذه الرواية مع ما يتداوله الأهالي عن وجود سور مشابه في منطقة أبو دياب شرق وهو ما يفتح الباب أمام فرضية وجود منظومة دفاعية قديمة كانت تؤمن القرى الواقعة على ضفتي النيل في محافظة قنا وهي فرضية تستحق البحث العلمي والتوثيق.

وتاريخيًا كانت هذه المنطقة ترتبط بإقليم دندرة الذي يعد من أهم أقاليم صعيد مصر وكان يتمتع بمكانة دينية وإدارية كبيرة الأمر الذي يمنح أي اكتشاف أثري محتمل في محيطها قيمة تاريخية خاصة.

ويبقى سور الشيخ عيسى شاهدًا على ذاكرة مكان ما زالت تخفي الكثير من الأسرار سواء أثبتت الدراسات المستقبلية أنه يعود إلى العصر الروماني أو البيزنطي أو إلى فترة تاريخية أخرى فالحفاظ على هذا التراث وتوثيق الروايات الشفوية وإجراء الدراسات الأثرية الميدانية يمثل ضرورة من أجل الكشف عن صفحة جديدة من تاريخ محافظة قنا وصعيد مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى