فما ظنكم برب العالمين

بقلم: ياسر زكي
تمر على الإنسان سنواتٌ يثقلها البلاء، حتى تبدو وكأن الزمن قد توقف عن السير، فيمضي ببطء السلحفاة في صحراء قاحلة لا حياة فيها. وكلما اشتد الكرب، ازدادت اللحظات ثقلاً، حتى يخيل إلينا أنها أعسر من مرور الجمل في سمِّ الخياط.
هموم تتراكم، وأوجاع تتزاحم، وابتلاءات تكاد تُذهب بالعقول، وتُثقِل القلوب حتى تكاد تنفجر من فرط الألم. تضيق السبل، وتُغلَق الأبواب، وتحاصرنا الدوائر من كل جانب، فنغدو أسرى للعجز، لا نملك حيلة، ولا نستطيع اتخاذ قرار، وكأن الحياة قد جمدت في أعيننا.
وفي لحظة صدق مع النفس، وقفةٍ لم أجد فيها ملجأً إلا الله، أدركت أن النجاة لا تكون إلا بالاعتصام بحبله المتين، وأن حسن الظن به سبحانه ليس مجرد شعور، بل هو يقين يحيي القلوب ويبدد الظلمات. فقلت لنفسي: إذا كان هذا فضل ربي عليَّ، فما ظنكم برب العالمين؟
هو ربٌّ رحيم، كريم، حليم، لا يخذل من قصده، ولا يرد من وقف ببابه، ولا يضيع من توكل عليه. مددت إليه يدي فقيراً، وطرقت بابه راجياً، فوجدت من لطفه ورحمته ما عجز اللسان عن وصفه.
فالحمد لله حمداً كثيراً يبلغ منتهاه، على ما رأيت من جميل ستره، وعظيم إحسانه، وسعة رحمته. فما رفع عني ستره، ولا فضح لي عيباً، ولو كشف الله عن العباد ما تخفيه النفوس، لهلكنا من الخجل قبل أن نهلك من الذنب. ولكنه سبحانه الستير الرحيم، فكان جزاء حسن الظن به أن وقاني من شرور كنت أخشاها، وصرف عني من البلاء ما لا يعلمه إلا هو.
﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾… سؤال قرآني عظيم، يهز القلوب ويوقظ الأرواح، ويدعو كل إنسان أن يراجع يقينه بربه. فما ظنك برب إذا دعوته أجاب، وإذا استغفرته غفر، وإذا رجوته أعطى، وإذا توكلت عليه كفاك؟
إنها دعوة إلى حسن الظن بالله، والثقة في وعده، واليقين بأن رحمته أوسع من ذنوبنا، وفضله أعظم من آمالنا، وأنه سبحانه لا يرد عبداً أقبل عليه بقلب صادق.
فأحسنوا الظن بربكم، فإن الكريم لا يخيب من رجاه، والرحيم لا يخذل من لجأ إليه، والجواد لا يمنع من أحسن الأمل فيه. واعلموا أن من وقف بباب الله صادقاً، فتح الله له أبواباً لم يكن يتخيلها، ومن تعلق بحبله، عصمه من الانكسار، ومن وثق به، جعل له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل عسر يسراً.
فما ظنكم برب العالمين؟




