د.م. أحمد الزلاط: مصر انتقلت من مرحلة البناء إلى مرحلة أخطر… مرحلة التشغيل وإدارة الأزمات

ماهر بدر
قال الدكتور المهندس أحمد الزلاط، إن ما شهدته مصر خلال السنوات العشر الأخيرة يمثل تحولًا تاريخيًا غير مسبوق في حجم ونطاق المشروعات القومية، سواء في البنية التحتية، أو النقل والمواصلات، أو المدن الجديدة، أو الموانئ، أو الطاقة، مؤكدًا أن الدولة المصرية أنجزت حجمًا من المشروعات يفوق ما أنجزته دول خلال عقود طويلة.
وأشار الزلاط إلى أن لغة الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم التحدي، موضحًا أن مشروعات النقل فقط شهدت إنفاقًا يقترب من 1.7 تريليون جنيه خلال عشر سنوات، بينما تشير تقديرات رسمية وصحفية إلى أن إجمالي ما أُنفق على البنية الأساسية منذ عام 2014 تجاوز عدة تريليونات من الجنيهات، فضلًا عن أن خطة الدولة الاستثمارية للعام المالي 2024/2025 تستهدف نحو تريليون جنيه استثمارات عامة جديدة.
وأوضح الزلاط أن شبكة الطرق في مصر أصبحت من الأكبر إقليميًا، حيث تجاوز إجمالي أطوالها 170 ألف كيلومتر، منها أكثر من 140 ألف كيلومتر طرق ممهدة، لافتًا إلى أن هذه الأرقام لا تعكس فقط إنجازًا هندسيًا، بل تضع الدولة أمام مسؤولية تشغيلية وإدارية بالغة التعقيد.
تابع الزلاط: التحدي الحقيقي لم يعد في البناء بل في ما بعد البناء
وأكد الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في تنفيذ المشروعات، بل في إدارتها بعد التشغيل، مشيرًا إلى أن الدول لا تُقاس قوتها بعدد المشروعات التي تنفذها فقط، بل بقدرتها على تشغيلها بكفاءة، وحمايتها من الأعطال، والتعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى كوارث.
وأضاف الزلاط أن مصر – مثلها مثل أي دولة تدخل مرحلة الأصول العملاقة – أصبحت بحاجة إلى غرف عمليات مركزية ومنظومات احترافية لإدارة الأزمات، موضحًا أن هذا النموذج معمول به في جميع الدول المتقدمة، ويُعد أحد أسس الإدارة الحديثة للدول.
وقال الزلاط: غياب غرف العمليات المتكاملة هو الحلقة المفقودة
وقال الزلاط إن ما ينقص منظومة التنمية حاليًا هو العقل التشغيلي المركزي، موضحًا أن المشروعات الحديثة لم تعد تعمل بشكل منفصل، بل أصبحت مترابطة؛ فحادث على طريق سريع قد يؤثر على ميناء، وتأخير في ميناء قد ينعكس على سلاسل الإمداد، ثم على المصانع والأسعار.
وأشار إلى أن هذا الترابط يجعل من إدارة الأزمات أمرًا لا يمكن تركه للاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال، بل يحتاج إلى غرفة قرار دائمة تعمل على مدار الساعة.
وأوضح الزلاط: العالم يعمل بنموذج غرف العمليات وإدارة الحوادث
وأوضح الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن النموذج العالمي المعتمد يقوم على محورين رئيسيين:
1️⃣غرف تشغيل (NOC) لمتابعة الأداء اليومي والكفاءة الفنية.
2️⃣مراكز إدارة أزمات (EOC) يتم تفعيلها عند الحوادث الكبرى، وتعمل وفق معايير واضحة لتوزيع الأدوار واتخاذ القرار.
وأكد الزلاط أن هذه المنظومات تعتمد على أطر ومعايير دولية مثل معايير إدارة الحوادث والتنسيق المؤسسي، التي تؤكد أن غرف العمليات ليست مجرد شاشات، بل منظومة متكاملة من الإجراءات، والحوكمة، والكوادر المدربة.
وتابع الزلاط: المشكلة ليست في الفكرة بل في الوقود البشري
وأشار الزلاط إلى أن التحدي في مصر لا يتمثل في غياب الفكرة أو الإرادة السياسية، وإنما في نقص الكوادر المتخصصة والخبرات التراكمية في مجالات إدارة الأزمات والتشغيل المتكامل.
وأوضح أن غرف العمليات لا يمكن أن تُدار بعقلية فردية أو تعتمد على أشخاص بعينهم، بل يجب أن تقوم على:
▪️منهجيات واضحة
▪️تعريف دقيق للأزمة
▪️مسارات تصعيد معروفة
▪️تكامل بيانات بين الجهات
▪️نظم محاسبة وتقييم بعد كل أزمة
وقال الزلاط: نحتاج إلى منظومة وطنية على ثلاث طبقات
وأكد الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن الحل يتمثل في إنشاء منظومة وطنية متكاملة تتكون من ثلاث طبقات رئيسية:
1️⃣مركز وطني للتشغيل وإدارة الأزمات يعمل على مدار الساعة، ويتولى القيادة وقت الأزمات، ويراقب مؤشرات الأداء الوطنية.
2️⃣غرف عمليات قطاعية لكل من النقل، والموانئ، والطاقة، والمياه، والمدن الجديدة.
3️⃣غرف عمليات محلية وميدانية قريبة من مواقع المشروعات لضمان سرعة التدخل.
وأوضح أن هذا النموذج يضمن أن تكون الأزمة محاصرة في مهدها قبل أن تتحول إلى أزمة قومية.
لا غرفة عمليات بدون بيانات لحظية
وشدد الزلاط على أن أي غرفة عمليات بدون بيانات حقيقية هي مجرد ديكور إداري، مؤكدًا ضرورة إنشاء منصة بيانات موحدة تربط الأنظمة الموجودة بالفعل، دون الحاجة للبدء من الصفر.
وأضاف أن الهدف هو القرار اللحظي المبني على البيانات وليس التقارير الورقية المتأخرة.
دكتور احمد الزلاط: ما لا يُقاس لا يُدار
وأكد الزلاط أهمية وجود مؤشرات أداء واضحة مثل:
▪️زمن الاستجابة
▪️زمن استعادة الخدمة
▪️معدل الأعطال
▪️تكلفة التوقف
▪️مؤشرات السلامة
موضحًا أن هذه المؤشرات ليست للرقابة فقط، بل لتحسين الأداء وحماية الأصول.
الزلاط: بناء الكوادر هو مفتاح النجاح
وأشار الدكتور المهندس أحمد الزلاط إلى ضرورة إطلاق برنامج وطني لإعداد كوادر إدارة الأزمات وغرف العمليات، يعتمد على التدريب العملي والمحاكاة وليس الدراسة النظرية فقط، مؤكدًا أن الأزمة لا تُدار بالنية الحسنة بل بالعلم والخبرة.
واختتم الزلاط تصريحاته: المرحلة القادمة هي مرحلة الإدارة الذكية للأصول
واختتم الزلاط بالتأكيد على أن مصر نجحت في أصعب المراحل، وهي مرحلة البناء، وأن المرحلة القادمة – وهي مرحلة التشغيل والاستدامة والجاهزية للأزمات – لا تقل أهمية ولا خطورة.
وأكد أن إنشاء منظومة وطنية لغرف العمليات وإدارة الأزمات لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية استثمارات الدولة وتعظيم عائدها، مضيفًا:
“الدول لا تنتظر توافر الخبرة… الدول تصنعها.”
د.م. أحمد الزلاط: مصر انتقلت من مرحلة البناء إلى مرحلة أخطر… مرحلة التشغيل وإدارة الأزمات




