
أبناء الشارع
ماتت القطة.
لكن موتها لم يكن هو الحزن الأكبر.
الحزن الحقيقي كان في أولئك الخمسة الذين خرجوا من رحمها إلى الدنيا، ثم خرجوا منها قبل أن يفهموا معنى الحياة.
لقد أخذوا منها مبكرًا.
ربما ظن من أخذهم أنه يفعل خيرًا، أو أنه يبعدهم عن الجوع، أو عن الشارع، أو عن الموت.
لكن هل يعرف أحد ماذا يعني أن يُنتزع الوليد من حضن أمه؟
في عالم الحيوان، الأم ليست مجرد جسد يطعم أبناءه.
إنها وطن.
دفء.
أمان.
رائحة تحفظ بها الكائن الصغير معنى الحياة.
حين يُنتزع الصغير من أمه، لا يفقد اللبن فقط، بل يفقد العالم كله.
كانت القطة تبحث عنهم.
أراها تدور في الأزقة، تتشمم الأرض، ترفع رأسها نحو الأبواب، تصرخ في الليل.
كان صوتها يشبه سؤالًا لا جواب له.
أين ذهبوا؟
كانت لا تعرف أن أبناءها الخمسة صاروا الآن وحدهم في مواجهة الشارع.
الشارع الذي لا يرحم.
الشارع الذي لا يعطي أحدًا فرصة ليتعلم ببطء.
تخيلت مصيرهم.
الأول ربما جاع حتى أكل من القمامة، ولم يعرف كيف يميز الطعام من السم.
الثاني ربما دهسته عجلة سيارة قبل أن يتعلم معنى الخوف.
الثالث ربما اختبأ تحت جدار مكسور يرتجف من برد الليل.
الرابع ربما التقطه طفل صغير ليلعب به أيامًا ثم ألقاه حين ملّ منه.
أما الخامس، فربما ظل حيًا.
يتعلم من الجوع.
ومن الضرب.
ومن المطاردة.
ويكبر ليصبح نسخة من أمه.
يجري في الطرقات.
يلتقط رزقه من هنا وهناك.
ويحمل في عينيه حزنًا قديمًا لا يعرف سببه.
وهنا سألت نفسي:
أليست هذه قصتنا نحن أيضًا؟
ألسنا جميعًا أبناء شارع كبير اسمه الحياة؟
يُنتزع بعضنا من الأمان مبكرًا.
ويُلقى بنا في معارك لا نفهمها.
ويقال لنا: عيشوا.
من يملك المال يجد الطريق ممهدًا.
ومن يولد فقيرًا، يبدأ السباق حافيًا.
منهم من يجد يدًا حانية.
ومنهم من لا يجد إلا القسوة.
وهكذا يتوزع البشر كما تتوزع القطط في الشوارع: بعضهم ينام على الحرير، وبعضهم ينام فوق التراب.
لكن الشيء الوحيد الذي يساوي بين الجميع هو الألم.
الألم لغة كونية.
القطة تعرفه.
والطفل يعرفه.
والفقير يعرفه.
والغني أيضًا يعرفه، لكن بأشكال أخرى.
لقد ماتت القطة، وربما مات بعض أبنائها بعدها.
لكن السؤال الذي بقي حيًا هو:
هل نحن رحماء بما يكفي؟
إن الرحمة ليست فضيلة زائدة عن الحاجة.
إنها الشيء الوحيد الذي يمنع هذا العالم من أن يتحول إلى غابة كاملة.
كل كائن صغير يحتاج إلى صدر ينام عليه.
وكل قلب مكسور يحتاج إلى يد تربت عليه.
وربما لهذا خلق الله الرحمة قبل أن يخلق القوة.
لأن القوة تحفظ البقاء.
لكن الرحمة وحدها تحفظ المعنى.
تأليف: خالد البنا




