معركة المرأة الصامتة لإثبات ذاتها

بقلم/ راندا ابو النجا
في كثير من الأحيان، لا تُحاكَم المرأة على أفعالها بقدر ما تُحاكَم على كونها امرأة. تُلاحقها الأحكام المسبقة أينما ذهبت، وتُوضع تحت مجهر النقد قبل أن تُمنح فرصة عادلة للتعريف بنفسها. فإذا نجحت، قيل إنها استثناء، وإذا أخفقت، حُمّلت مسؤولية فشل يتجاوزها. وبين التقدير الذي تستحقه والأحكام التي تُفرض عليها، تخوض المرأة معركة صامتة لإثبات حقها في أن تُرى كما هي، لا كما يريد الآخرون أن تكون. فهل المشكلة في المرأة حقًا، أم في النظارات القديمة التي ما زال البعض ينظر من خلالها إليها؟
على الرغم من التقدم الكبير الذي شهدته المجتمعات في مجالات التعليم والعمل وحقوق الإنسان، ما زالت المرأة تواجه تحديات من نوع آخر؛ تحديات لا تُقاس بالقوانين واللوائح، بل بالأفكار الراسخة والأحكام المسبقة التي تتسلل إلى العقول وتؤثر في طريقة التعامل معها.
فالمرأة الناجحة كثيرًا ما تجد نفسها مطالبة بإثبات جدارتها مرات ومرات، بينما يُمنح الرجل الثقة بشكل تلقائي. وإذا أبدت قوة في شخصيتها ووضوحًا في آرائها، وُصفت بالمتسلطة أو العنيدة، في حين تُعد الصفات ذاتها لدى الرجل دليلًا على القيادة والحزم. أما إذا اختارت الهدوء والابتعاد عن الصراعات، فقد تُفسر شخصيتها على أنها ضعف أو تردد.
ولا تتوقف الأحكام عند حدود العمل أو الحياة العامة، بل تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة الشخصية. فهناك من يرى أن للمرأة قالبًا محددًا يجب أن تعيش داخله، فإذا خرجت عنه أصبحت عرضة للانتقاد والتشكيك. تُراقب اختياراتها، وتُناقش قراراتها، ويُساء أحيانًا تفسير طموحاتها وأحلامها، وكأنها مطالبة طوال الوقت بالحصول على موافقة المجتمع على كل خطوة تخطوها.
ومن المؤسف أن بعض هذه الأحكام لا تأتي من الغرباء فقط، بل قد تصدر أحيانًا من المحيط الأقرب إليها، فتجد نفسها في مواجهة مستمرة مع تصورات لا تعبر عنها ولا عن قدراتها الحقيقية. وهنا تكمن خطورة الأحكام المسبقة؛ فهي لا تكتفي بتشويه الصورة، بل قد تُقيد الفرص وتُضعف الثقة وتُحبط الطاقات القادرة على الإبداع والعطاء.
والحقيقة أن المرأة ليست بحاجة إلى امتيازات خاصة بقدر حاجتها إلى العدالة والإنصاف. فهي لا تطلب أن تُمدح لمجرد كونها امرأة، ولا أن تُعفى من النقد، وإنما أن تُقيَّم وفق أفعالها وإنجازاتها وأخلاقها، لا وفق تصورات جاهزة وأفكار موروثة.
لقد أثبتت المرأة عبر التاريخ أنها قادرة على تحمل المسؤولية وصناعة النجاح والمساهمة في بناء الأوطان. وكانت الأم والمعلمة والطبيبة والكاتبة والعالمة والقائدة، وتركت بصمات واضحة في مختلف المجالات. ومع ذلك، ما زال الطريق نحو التحرر الكامل من الأحكام المسبقة يحتاج إلى مزيد من الوعي والثقافة والإنصاف.
إن أخطر ما تفعله الأحكام المسبقة أنها لا تظلم امرأة واحدة فحسب، بل تظلم مجتمعًا كاملًا حين تُقيّد نصف طاقته بقيود الوهم والانطباعات الجاهزة. فالمرأة ليست قضية تحتاج إلى دفاع، بل إنسان يستحق الإنصاف. وحين نتوقف عن تصنيف النساء وفق قوالب مسبقة، ونبدأ في تقييمهن بعقول منصفة وضمائر واعية، سنكتشف أن الكثير من الأحكام التي صدّقناها لم تكن سوى أوهام ورثناها دون أن نناقشها. فالعدالة لا تبدأ حين نرفع شعارات احترام المرأة، بل حين نكفّ عن محاكمتها على ما لم ترتكبه، ونمنحها الحق الكامل في أن تكون نفسها، لا نسخة من توقعات الآخرين.




