مقالات الرأي

العراق والانقلابات العسكرية

من حلم الدولة الحديثة إلى دوامة الدم

العراق والانقلابات العسكرية
بقلم خالد البنا
من حلم الدولة الحديثة إلى دوامة الدم
دراسة تاريخية
مقدمة
عندما نقرأ تاريخ العراق الحديث منذ منتصف القرن العشرين، نجد أنفسنا أمام واحدة من أكثر التجارب السياسية اضطرابًا في العالم العربي. فقد تحولت الدولة التي امتلكت ثروات هائلة وموقعًا استراتيجيًا وحضارة عريقة إلى ساحة للصراع على السلطة، حيث تكررت الانقلابات العسكرية، وأصبحت القوة المسلحة وسيلة للوصول إلى الحكم والبقاء فيه.
وفي كثير من الأحيان لم يكن الصراع بين أعداء متباعدين، بل بين رفاق الأمس وشركاء الثورة الواحدة. فالصديق انقلب على صديقه، والرفيق أطاح برفيقه، حتى أصبحت السياسة العراقية مرادفًا للمؤامرات والانقلابات والتصفيات.
أولًاسقوط الملكية وبداية عصر الانقلابات 1958
في 14 يوليو 1958 قاد مجموعة من الضباط العراقيين انقلابًا عسكريًا أنهى المملكة العراقية.
كان أبرز قادة الحركة عبد الكريم قاسم..عبد السلام عارف
أُطيح بالملك فيصل الثاني، وقُتل عدد من أفراد الأسرة المالكة.
رأى كثيرون في البداية أن الثورة تمثل بداية عهد جديد من العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، لكن الخلافات سرعان ما تفجرت بين قادة الثورة أنفسهم.
ثانيًا رفاق الثورة يتحولون إلى خصوم
لم يمض وقت طويل حتى دب الصراع بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.
كانا شريكين في إسقاط النظام الملكي، لكن كلًا منهما أراد توجيه الدولة في اتجاه مختلف.
انتهى الأمر بإقصاء عبد السلام عارف وسجنه.
وهكذا بدأت قاعدة ستتكرر مرارًا
من يصنع الانقلاب يخشى شركاءه أكثر مما يخشى خصومه.
ثالثًا: انقلاب رمضان 1963
في فبراير 1963 وقع انقلاب جديد أطاح بعبد الكريم قاسم.وأُعدم قاسم بعد ساعات قليلة من القبض عليه.دخل العراق مرحلة جديدة من العنف السياسي والتصفيات.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح الجيش لاعبًا رئيسيًا في الحياة السياسية، ولم تعد السلطة تنتقل عبر المؤسسات الطبيعية بل عبر القوة.
رابعًا إنقلاب عبد السلام عارف ثم عبد الرحمن عارف
تولى عبد السلام عارف السلطة ثم توفي في حادث طائرة عام 1966.
وخلفه شقيقه..عبد الرحمن عارف
لكن حكمه لم يستمر طويلًا.
خامسًا انقلاب البعث 1968
في 17 يوليو 1968 استولى حزب البعث على السلطة.وبرز اسمان رئيسيان
أحمد حسن البكر..صدام حسين
في البداية كان البكر هو الرجل الأول.
أما صدام فكان الرجل الثاني الذي عمل بصبر شديد على بناء نفوذه داخل أجهزة الأمن والحزب والدولة.
سادسًا الانقلاب الهادئ على أحمد حسن البكر
بحلول أواخر السبعينيات أصبح صدام حسين صاحب النفوذ الحقيقي داخل النظام.
وفي يوليو 1979 أعلن أحمد حسن البكر استقالته.
يرى كثير من المؤرخين أن انتقال السلطة لم يكن انتقالًا طبيعيًا بقدر ما كان انقلابًا داخليًا هادئًا داخل النظام نفسه، حيث انتقلت السلطة الفعلية إلى صدام حسين دون مواجهة عسكرية مفتوحة.
وبعد أيام قليلة عقد صدام الاجتماع الشهير بقاعة الخلد لقيادة الحزب، وأعلن اكتشاف مؤامرة داخلية.
وأعقبت ذلك حملة اعتقالات وإعدامات واسعة طالت شخصيات بعثية بارزة.
ومنذ تلك اللحظة أصبح العراق دولة يحكمها رجل واحد بصورة شبه مطلقة.
سابعًا تمزيق اتفاق الجزائر والحرب مع إيران
عام 1975 وقع العراق وإيران
اتفاق الجزائر
وكان الهدف تسوية الخلافات الحدودية بين البلدين.
لكن بعد وصول صدام إلى الرئاسة أعلن رفض الاتفاق.
وفي سبتمبر 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانيةواستمرت ثمان سنوات.
نتائج الحرب
1.مئات الآلاف من القتلى والجرحى.
2.استنزاف اقتصادي هائل.
3.تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية.
4.تراكم الديون على العراق.
5.خرج الطرفان منهكين دون تحقيق نصر حاسم.
ثامنًا: غزو الكويت
بعد عامين فقط من انتهاء الحرب مع إيران، اتخذ صدام حسين قرارًا آخر غيّر تاريخ المنطقة.
في أغسطس 1990 وقع الغزو العراقي للكويت
ودخلت القوات العراقية الكويت.
أدى ذلك إلى تشكيل تحالف دولي واسع.
ثم اندلعت حرب الخليج الثانية
وانتهت بخروج العراق من الكويت وتدمير جانب كبير من قدراته العسكرية.
تاسعًا الحصار الطويل
بعد حرب الخليج فرضت الأمم المتحدة عقوبات قاسية على العراق.
استمرت سنوات طويلة.
ودفع المواطن العراقي العادي الثمن الأكبر.
فانهارت القدرة الشرائية وتراجعت الخدمات وانتشرت المعاناة الاقتصادية.
عاشرًا نهاية النظام
في عام 2003 قادت الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًا أسقط نظام صدام حسين.
وانتهى بذلك فصل طويل من تاريخ العراق.
لكن سقوط النظام لم يؤدِّ إلى الاستقرار السريع، بل دخل العراق مرحلة جديدة من الصراعات الطائفية والسياسية والأمنية.
الدروس المستفادة من هذا التاريخ
الانقلاب العسكري لا يبني شرعية مستقرة
قد ينجح الانقلاب في الاستيلاء على السلطة خلال ساعات، لكنه لا يمنح بالضرورة شرعية دائمة أو استقرارًا طويل الأمد.
تركيز السلطة في يد شخص واحد خطر على الدولة كلما ضعفت المؤسسات وتركز القرار في يد فرد واحد، أصبحت أخطاء ذلك الفرد أخطاءً تدفع الأمة كلها ثمنها.
الحروب أسهل في البدء من إنهائها
قرار الحرب قد يصدر في دقائق، لكن آثار الحرب قد تستمر لعقود.
الصراع على السلطة يستهلك طاقات الأمم
بدلًا من توجيه الموارد إلى التعليم والصناعة والبحث العلمي، تُستنزف في الصراعات الداخلية.
الدولة القوية تحتاج مؤسسات لا أفرادًا
الأمم المستقرة لا تقوم على الزعماء وحدهم، بل على مؤسسات قادرة على العمل حتى مع تغير الحكام.
خاتمة
إن تاريخ العراق الحديث يقدم درسًا بالغ الأهمية: فالدول لا تنهض بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالزعيم الفرد مهما بلغت قدرته، بل بسيادة القانون، واستقرار المؤسسات، والتداول السلمي للسلطة، واحترام حياة الإنسان.
لقد دفع العراق خلال عقود الانقلابات العسكرية والحروب أثمانًا باهظة من الدماء والثروات والفرص الضائعة. ولذلك يظل هذا التاريخ، بكل ما يحمله من مآسٍ، مادة للتأمل لا من أجل إدانة الماضي فقط، بل من أجل فهمه واستخلاص العبر التي تساعد على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى