سياسة

العقد الاجتماعي

حين يصبح الحكم عقدا لا غنيمة

  • حين يصبح الحكم عقدًا لا غنيمة
    بقلم خالد البنا
    قراءة في فكرة الدولة الحديثة بين Jean-Jacques Rousseau وتجربة الشعوب
    ليست مشكلة الشرق في قلة العقول، ولا في فقر الأرض، ولا حتى في ندرة الثروات، بل في السؤال الذي لم يُحسم بعد:
    من يملك الوطن
    هل يملكه الحاكم
    أم الجيش
    أم رجال الدين
    أم تملكه الأمة كلها باعتبارها صاحبة الحق الأصيل في الاختيار والمحاسبة؟
    لقد أدرك فلاسفة أوروبا مبكرًا أن الدولة التي تُدار بالسيف وحده تتحول إلى معسكر، وأن الدولة التي تُدار بالنصوص الدينية وحدها تتحول إلى محكمة تفتيش، وأن المجتمع لا ينهض إلا حين يصبح المواطن شريكًا في صناعة القرار لا مجرد تابع ينتظر التعليمات.
    ومن هنا ظهر The Social Contract، الكتاب الذي كتبه Jean-Jacques Rousseau، ذلك الرجل الذي لم يكن قائد جيش، ولا صاحب ثروة، لكنه امتلك أخطر ما يمكن أن يمتلكه إنسان: فكرة.
    قال روسو عبارته الشهيرة:
    “الإنسان يولد حرًا، ولكنه في كل مكان مكبل بالأغلال.”
    كانت أوروبا وقتها تعيش تحت سلطان الملوك المطلق، حيث الحاكم يعتقد أن الله قد منحه الأرض ومن عليها، وأن الشعب خُلق ليطيع لا ليشارك. لكن الفلاسفة قلبوا المعادلة، فبدلًا من أن يكون الشعب خادمًا للدولة، أصبحت الدولة خادمة للشعب.
    ومن هنا بدأت فكرة “العقد الاجتماعي”، أي أن الحكم ليس حقًا إلهيًا دائمًا، ولا ميراثًا عائليًا، بل عقد بين الأمة والحاكم. فإذا أخل الحاكم بالعقد، فمن حق الأمة أن تغيّره.
    هذه الفكرة البسيطة كانت أخطر من ألف مدفع.
    لقد أدرك الأوروبيون أن قوة الدولة لا تأتي من الخوف، بل من الشرعية. وأن الشرعية الحقيقية لا تُولد من فوهة البندقية، بل من صندوق الانتخابات.
    ولهذا حين ننظر إلى تجارب الدول الحديثة نجد أن التقدم لم يبدأ بالمصانع فقط، بل بدأ حين جرى:
    إبعاد الجيش عن الصراع السياسي اليومي
    وإبعاد المؤسسة الدينية عن احتكار السلطة
    وترك الشعب يختار حكامه بحرية
    فالجيوش وُجدت لتحمي الحدود، لا لتدير تفاصيل السياسة.
    والدين وُجد ليهذب الضمير، لا ليصبح أداة صراع على السلطة.
    وحين تختلط هذه الأدوار تضيع الدولة بين قداسة لا تُناقش، وقوة لا تُحاسب.
    إن أوروبا لم تتقدم لأنها بلا دين، كما يتوهم البعض، بل لأنها جعلت الدولة ملكًا للمواطن لا للكهنة ولا للعسكر. وكذلك United States، التي تحولت من مستعمرات متفرقة إلى قوة عظمى لأن تداول السلطة فيها أصبح قاعدة لا استثناء.
    الرئيس هناك ليس فرعونًا خالدًا، بل موظفًا سياسيًا يأتي عبر الانتخابات ويغادر بالانتخابات.
    والبرلمان ليس ديكورًا، بل سلطة حقيقية قادرة على المحاسبة.
    ولهذا يشعر المواطن أن صوته ليس ورقة تُلقى في صندوق، بل جزء من مصير الوطن نفسه.
    أما حين تُزوَّر الانتخابات، فإن أخطر ما يُسرق ليس المقعد النيابي، بل ثقة الناس في الدولة كلها. وعندما يفقد المواطن يقينه بأن صوته له قيمة، يتحول الوطن إلى أرض صامتة يعيش فيها الناس بلا انتماء حقيقي.
    إن المجتمع الذي ينتخب رئيسه وبرلمانه بحرية كاملة يخلق تلقائيًا:
    شعورًا بالمشاركة
    وإحساسًا بالمسؤولية
    ورقابة شعبية على الفساد
    وتداولًا سلميًا للسلطة
    أما المجتمع الذي تُفرض عليه السلطة فرضًا، فإنه يبقى أسير الخوف، حتى لو امتلك ألف شعار وألف نشيد وطني.
    وليس معنى هذا أن الديمقراطية جنة كاملة، فحتى الديمقراطيات الكبرى تعاني من نفوذ المال والإعلام وجماعات الضغط، لكن الفارق أن الشعب يظل قادرًا على التغيير والمحاسبة، بينما في الأنظمة المغلقة يصبح التغيير نفسه جريمة.
    لقد حلم روسو بدولة يكون فيها المواطن سيدًا لا تابعًا، شريكًا لا رعية. وربما لهذا بقي اسمه حيًا بعد قرون، لأن الأفكار التي تُعيد للإنسان كرامته لا تموت بسهولة.
    إن الأمم لا تُقاس فقط بعدد الدبابات، بل بقدرة المواطن البسيط على أن يقول رأيه دون خوف، وأن يختار حاكمه دون تزوير، وأن يشعر أن الوطن ملك له لا مزرعة مغلقة لأحد.
    وحين تصل الشعوب إلى هذه المرحلة، تصبح فعلًا “ندًا لند”، لا لأنها تملك السلاح وحده، بل لأنها تملك الإنسان الحر.حين يصبح الحكم عقدًا لا غنيمة
    قراءة في فكرة الدولة الحديثة بين Jean-Jacques Rousseau وتجربة الشعوب
    ليست مشكلة الشرق في قلة العقول، ولا في فقر الأرض، ولا حتى في ندرة الثروات، بل في السؤال الذي لم يُحسم بعد:
    من يملك الوطن
    هل يملكه الحاكم
    أم الجيش
    أم رجال الدين
    أم تملكه الأمة كلها باعتبارها صاحبة الحق الأصيل في الاختيار والمحاسبة؟
    لقد أدرك فلاسفة أوروبا مبكرًا أن الدولة التي تُدار بالسيف وحده تتحول إلى معسكر، وأن الدولة التي تُدار بالنصوص الدينية وحدها تتحول إلى محكمة تفتيش، وأن المجتمع لا ينهض إلا حين يصبح المواطن شريكًا في صناعة القرار لا مجرد تابع ينتظر التعليمات.
    ومن هنا ظهر The Social Contract، الكتاب الذي كتبه Jean-Jacques Rousseau، ذلك الرجل الذي لم يكن قائد جيش، ولا صاحب ثروة، لكنه امتلك أخطر ما يمكن أن يمتلكه إنسان: فكرة.
    قال روسو عبارته الشهيرة:
    “الإنسان يولد حرًا، ولكنه في كل مكان مكبل بالأغلال.”
    كانت أوروبا وقتها تعيش تحت سلطان الملوك المطلق، حيث الحاكم يعتقد أن الله قد منحه الأرض ومن عليها، وأن الشعب خُلق ليطيع لا ليشارك. لكن الفلاسفة قلبوا المعادلة، فبدلًا من أن يكون الشعب خادمًا للدولة، أصبحت الدولة خادمة للشعب.
    ومن هنا بدأت فكرة “العقد الاجتماعي”، أي أن الحكم ليس حقًا إلهيًا دائمًا، ولا ميراثًا عائليًا، بل عقد بين الأمة والحاكم. فإذا أخل الحاكم بالعقد، فمن حق الأمة أن تغيّره.
    هذه الفكرة البسيطة كانت أخطر من ألف مدفع.
    لقد أدرك الأوروبيون أن قوة الدولة لا تأتي من الخوف، بل من الشرعية. وأن الشرعية الحقيقية لا تُولد من فوهة البندقية، بل من صندوق الانتخابات.
    ولهذا حين ننظر إلى تجارب الدول الحديثة نجد أن التقدم لم يبدأ بالمصانع فقط، بل بدأ حين جرى:
    إبعاد الجيش عن الصراع السياسي اليومي
    وإبعاد المؤسسة الدينية عن احتكار السلطة
    وترك الشعب يختار حكامه بحرية
    فالجيوش وُجدت لتحمي الحدود، لا لتدير تفاصيل السياسة.
    والدين وُجد ليهذب الضمير، لا ليصبح أداة صراع على السلطة.
    وحين تختلط هذه الأدوار تضيع الدولة بين قداسة لا تُناقش، وقوة لا تُحاسب.
    إن أوروبا لم تتقدم لأنها بلا دين، كما يتوهم البعض، بل لأنها جعلت الدولة ملكًا للمواطن لا للكهنة ولا للعسكر. وكذلك United States، التي تحولت من مستعمرات متفرقة إلى قوة عظمى لأن تداول السلطة فيها أصبح قاعدة لا استثناء.
    الرئيس هناك ليس فرعونًا خالدًا، بل موظفًا سياسيًا يأتي عبر الانتخابات ويغادر بالانتخابات.
    والبرلمان ليس ديكورًا، بل سلطة حقيقية قادرة على المحاسبة.
    ولهذا يشعر المواطن أن صوته ليس ورقة تُلقى في صندوق، بل جزء من مصير الوطن نفسه.
    أما حين تُزوَّر الانتخابات، فإن أخطر ما يُسرق ليس المقعد النيابي، بل ثقة الناس في الدولة كلها. وعندما يفقد المواطن يقينه بأن صوته له قيمة، يتحول الوطن إلى أرض صامتة يعيش فيها الناس بلا انتماء حقيقي.
    إن المجتمع الذي ينتخب رئيسه وبرلمانه بحرية كاملة يخلق تلقائيًا:
    شعورًا بالمشاركة
    وإحساسًا بالمسؤولية
    ورقابة شعبية على الفساد
    وتداولًا سلميًا للسلطة
    أما المجتمع الذي تُفرض عليه السلطة فرضًا، فإنه يبقى أسير الخوف، حتى لو امتلك ألف شعار وألف نشيد وطني.
    وليس معنى هذا أن الديمقراطية جنة كاملة، فحتى الديمقراطيات الكبرى تعاني من نفوذ المال والإعلام وجماعات الضغط، لكن الفارق أن الشعب يظل قادرًا على التغيير والمحاسبة، بينما في الأنظمة المغلقة يصبح التغيير نفسه جريمة.
    لقد حلم روسو بدولة يكون فيها المواطن سيدًا لا تابعًا، شريكًا لا رعية. وربما لهذا بقي اسمه حيًا بعد قرون، لأن الأفكار التي تُعيد للإنسان كرامته لا تموت بسهولة.
    إن الأمم لا تُقاس فقط بعدد الدبابات، بل بقدرة المواطن البسيط على أن يقول رأيه دون خوف، وأن يختار حاكمه دون تزوير، وأن يشعر أن الوطن ملك له لا مزرعة مغلقة لأحد.
    وحين تصل الشعوب إلى هذه المرحلة، تصبح فعلًا “ندًا لند”، لا لأنها تملك السلاح وحده، بل لأنها تملك الإنسان الحر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى