الرجل الذي رفض بيع رجالة فسقط واقفا

بقلم/ داليا أحمد بكري
في قرية صغيرة تُدعى زهور الأمراء وُلد المشير عبد الحليم أبو غزالة في أول أيام عام 1930
كان طفلًا ريفيًا بسيطًا يحمل في قلبه حلمًا أكبر من حدود القرية وأبعد من عمره الصغير
كبر الحلم سريعًا والتحق بالكلية الحربية عام 1947 ليتخرج منها في فبراير 1949 ضابطًا في سلاح المدفعية حاملاً على كتفيه مسؤولية وطن بأكمله
منذ خطواته الأولى داخل المؤسسة العسكرية بدا واضحًا أن هذا الشاب لا يشبه غيره
شارك في حرب فلسطين عام 1948 وهو لا يزال طالبًا ثم عاش كل جراح الوطن وانتصاراته
شهد العدوان الثلاثي عام 1956 وعاصر مرارة نكسة يونيو 1967 ثم خاض حرب الاستنزاف التي صهرت الرجال بالنار والصبر حتى جاءت لحظة العبور المجيدة في أكتوبر 1973
هناك كتب اسمه بحروف من نار وذهب حين قاد مدفعية الجيش الثاني بكفاءة نادرة وأسهم في صنع واحد من أعظم الانتصارات في التاريخ المصري الحديث
لم يكن أبو غزالة قائدًا عسكريًا فقط بل كان رجل دولة يحمل رؤية كاملة لمستقبل مصر
تدرج في المناصب حتى أصبح ملحقًا عسكريًا في الولايات المتحدة ثم رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة وبعدها وزيرًا للدفاع والإنتاج الحربي ثم نائبًا لرئيس مجلس الوزراء قبل أن يُعيَّن مساعدًا لرئيس الجمهورية
لكن الرجل الذي أحب جيشه لم يكن يرى القوة في السلاح وحده بل في الاستقلال والكرامة
كان يؤمن أن الأمة التي تستورد أمنها ستظل رهينة لمن يمنحها السلاح
ومن هنا وُلد حلمه الكبير مشروع كوندور 2 ذلك المشروع الصاروخي الطموح الذي جمع مصر مع الأرجنتين والعراق في تعاون سري لبناء قوة عربية مستقلة
كان المشروع يسير في صمت بينما العيون تراقب من بعيد
وحين اكتُشف الأمر اشتعلت الضغوط الدولية مطالبة بتسليم المهندسين المصريين المشاركين في المشروع للمحاكمة
عندها وقف المشير عبد الحليم أبو غزالة كالجبال الراسخة لا يهتز ولا ينحني وقال كلمته التي بقيت محفورة في ذاكرة الوطن
لن أُسلّم رجلًا من رجالي هؤلاء ينفذون أوامري وأنا وحدي المسؤول عنهم
كانت لحظة نادرة يظهر فيها معنى القائد الحقيقي
القائد الذي لا يختبئ خلف رجاله بل يقف أمامهم ليتلقى العاصفة وحده
ودفع الثمن كاملًا ففي مارس 1989 أُبعد عن وزارة الدفاع في قرار بدا هادئًا في ظاهره لكنه كان صاخبًا في معناه
اختفى الرجل بعدها عن المشهد وغابت صوره عن الشاشات وكأن الصمت كان عقوبة إضافية لرجل حلم كثيرًا بوطن قوي مستقل
حتى رحل عن الدنيا في سبتمبر 2008 تاركًا خلفه سيرة لا يستطيع النسيان أن يمحوها
لكن الرجال الحقيقيين لا يغيبون
فالتاريخ مهما طال صمته يعود لينطق بأسماء العظماء
وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي عاد اسم المشير عبد الحليم أبو غزالة إلى الواجهة من جديد
حملت دفعات عسكرية اسمه وارتفعت صوره في ساحات التخرج ليعرف الجيل الجديد أن مصر أنجبت يومًا قائدًا رفض أن يبيع رجاله ووقف شامخًا حتى النهاية
رحم الله المشير عبد الحليم أبو غزالة
رجلٌ آمن بمصر قوية
وقائدٌ كتب اسمه بالشرف قبل أن يكتبه التاريخ
وستظل سيرته شاهدًا على أن الأوطان لا يحميها إلا الرجال الذين يعرفون
معنى الوفاء والشجاعة والكبرياء



