
بين قريش والأصيبيغ وازدراء الأديان
بقلم خالد البنا
هل يُواجه الفكر بالقوة
بقلم خالد البنا
قراءة تاريخية وفلسفية في علاقة السلطة بالدين والأسئلة
من أخطر الأسئلة التي واجهت الحضارة الإسلامية بل كل الحضارات سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عاصف في جوهره:
ماذا تفعل السلطة حين يظهر من يناقش الدين أو يشكك أو يثير أسئلة يعتبرها المجتمع خطيرة
هل تُناقشه أم تمنعه أم تعاقبه أم تعتبره فتنة تهدد الجماعة كلهاهذا السؤال لم يبدأ اليوم مع:
إبراهيم عيسى،أو إسلام البحيري،أو يوسف زيدان،أو تكوين،بل هو سؤال قديم يعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي نفسه.
1. قصة الأصيبيغ باختصار
تذكر كتب التراث رجلًا اسمه إصبيغ بن عسل التميمي.وكان يسأل عنالآيات المتشابهة،
وبعض القضايا الجدلية، بطريقة رآها البعض:
بحثًا عن الحقيقة، ورآها آخرون
إثارةً للبلبلة والفتنة.وصل أمره إلى الخليفة عمر بن الخطاب،فاستدعاه، وتذكر بعض الروايات أنه
عنّفه،أو عزّره بالضرب، ثم أرسله بعيدًا ومنعه من إثارة تلك الأسئلة بين الناس.
ومع الزمن، تحولت القصة عند بعض المتشددين إلى نموذج مثالي لقمع أي سؤال ديني مخالف.
حتى صار بعضهم يقول اليوم:
لو عاد عمر لجلد هؤلاء الكتّاب والمفكرين
لكن هل كان عمر يكره التفكير
التاريخ لا يقول ذلك بهذه البساطة.
فعمر نفسه كان يستشير،ويقبل الاعتراض،
ويغيّر رأيه أحيانًا،ويعيش في مجتمع عرف النقاش والاجتهاد.
لكنه كان أيضًاشديد الحساسية تجاه أي شيء يراه تهديدًا لوحدة المجتمع الناشئ.
أي أن تصرفه في سياقه التاريخي كان مرتبطًا بخوفه من الفتنة،والانقسام،
والتشويش الديني في مجتمع حديث التكوين.
هنا يظهر السؤال الأخطر
إذا كان من حق السلطة أن تضرب من يثير أسئلة دينية لأنها تعتبره “مثير فتنة…
فهل كان يحق لـ قريش أن تفعل الشيء نفسه مع: محمد وأصحابه
2. كيف كانت قريش ترى النبي
قريش لم تكن ترى النبي كما يراه المسلمون اليوم. بل رأته خارجًا على دين الآباء،
ومهددًا للنظام الديني والاقتصادي في مكة،
ومثيرًا لانقسام اجتماعي خطير.
أي أن قريش من داخل رؤيتها هي كانت تعتبر الدعوة الإسلامية نفسها فتنةوهنا يقع التناقض الكبير عند بعض المتشددين المعاصرين:
فهم يرفضون تمامًا ما فعلته قريش بالنبي، لكنهم يقبلون المبدأ نفسه عندما يُستخدم ضد المخالفين لهم فكريًا اليوم.
3.الفرق بين الحماية والاضطهاد
المشكلة أن مفهوم
حماية المجتمع من الفتنة يمكن أن يتحول بسهولة إلى منع للأسئلة،وتجريم للنقاش،
وتحويل أي اختلاف فكري إلى جريمة.
وقريش نفسها كانت تقول عمليًا:
“نحن نحمي مجتمعنا وديننا من الانقسام”.
لكن التاريخ الإسلامي اعتبر ما فعلته:
اضطهادًا،
وتعذيبًا،
وقمعًا لحرية الإيمان.
4.ماذا يفرح بعض المتشددين بقصة جلد الأصيبيغ
لأنهم يعيشون خوفًا عميقًا من انهيار الثوابت،
وفقدان سلطة الدين،وانتشار الشكوك.
ولذلك يرون أن الحزم،والمنع،
والعقوبة، أفضل من فتح باب الأسئلة.
ويتصور بعضهم أن
المجتمع إذا فتح باب النقاش الحر سينهار دينيًا وأخلاقيًا.
5. لكن ماذا يقول التاريخ
التاريخ يقول شيئًا أكثر تعقيدًا.
فالحضارة الإسلامية نفسها ازدهرت حين ظهر
الجدل،والفلسفة،والمناظرات،والتفسير،وعلم الكلام،والفقه المتعدد.وكان فيها أبو حامد الغزالي،وابن رشد،والفارابي،وابن سينا،
وكلهم ناقشوا أسئلة ضخمة جدًا ربما كانت ستعتبر عند بعض المتشددين اليوم خطيرة
وهل حرية الفكر تعني إهانة الدين
لا فهناك فرق بين
1️⃣ النقد أو البحث أو الاجتهاد وبين
2️⃣ السخرية المتعمدة والتحقير والإهانة.
فالمجتمعات المتوازنة تحتاج إلى
احترام المقدسات، لكن أيضًا تحتاج إلى
مساحة للأسئلة،والتأويل،والنقاش العلمي.
أزمة ازدراء الأديان
تهمة ازدراء الأديان أصبحت اليوم سلاحًا شديد الحساسية.
فهي من ناحية تحاول حماية المجتمع من الكراهية والإهانة.
لكنها من ناحية أخرى قد تتحول إلى:
أداة لخنق النقاش،أو تخويف الباحثين،
أو منع أي قراءة جديدة للتراث.
ولهذا يبقى السؤال من يحدد الفرق بين النقد والازدراء
6. هل الدين يخاف من السؤال
الدين الذي يخاف من السؤال يتحول مع الوقت إلى سلطة مغلقة،لا تقنع الناس، بل تخيفهم فقط.
أما الحضارات القوية فكانت دائمًا:
تناقش،وترد،وتجادل،
وتنتج معرفة.
ولذلك فإن الرد على الفكر لا يكون دائمًا
بالسياط، ولا بالسجون، بل بالحجة،
والتعليم،والثقة في قدرة الناس على التمييز.
كلمة أخيرة
قصة الأصيبيغ ليست مجرد حادثة قديمة…
بل مرآة لسؤال يتكرر في كل عصر:
هل نحمي المجتمع بإغلاق باب الأسئلة… أم نحميه ببناء عقل قادر على النقاش دون خوف
لقد عذبت قريش النبي لأنها رأت دعوته خطرًا على مجتمعها.
ولو أخذنا منطق
أي فكرة تهز المجتمع يجب قمعها فقد نجد أنفسنا دون أن نشعر نكرر الفكرة نفسها التي وقف الإسلام أصلًا ضدها.
ولهذا فإن أعظم قوة لأي أمة ليست
في قدرتها على إسكات الناس، بل
في قدرتها على مواجهة الأسئلة دون خوف،
وعلى التفريق بين الفكر والعنف،
وبين الحوار الحقيقي والفوضى المتعمدة.
فالأمم التي تمنع السؤال تمامًا… قد تنجح في فرض الصمت مؤقتًا، لكنها غالبًا تخسر القدرة على التجدد مع الزمن.




