استغاثةتكريمحوادث وقضايارياضةقصص نجاحات

أنا أحمد.. حكاية “فجر” بُترت أقدامه لترتقي روحه

أنا أحمد.. حكاية “فجر” بُترت أقدامه لترتقي روحه

 

بقلم محمد عقيل

أنا أحمد عبد الله محمد الغلبان.. من قلب “بيت لاهيا” التي تفوح برائحة الكرامة، ومن عمق غزة التي لم تعرف الركوع. اليوم لا أحكي لكم قصة إعاقة، بل أحكي كيف صار الابتلاء “معراجاً” للروح، وكيف يُبنى المجد حين يتحول الأنين إلى “قرآن” يرتل، والوجع إلى “نشيد” يصدح.

حملة احمد المصاب شاهد هنا

كنت يوماً طائراً في الهواء، لاعباً للجمباز والباركور والسيرك، جسدي كان لا يعرف الجاذبية، وأقدامي كانت تعانق الريح من عمق السابعة من عمري. كنت أنا وتوأمي محمد -نور عيني ونبض قلبي- لا نفترق، نتقاسم الأنفاس والأحلام والضحكات.. حتى جاء ذلك السبت الأسود، الثاني والعشرين من مارس 2024.

كنا نهرب من الموت ونحمل أغراضنا، فكان “صاروخ الدبابة” أسرع من خطانا. بلمحة بصر، رأيت ابنة خالي ترحل، ثم خالي الذي تبعثرت أشلاؤه أمام عيني.. وبعدها، رأيت مشهداً لا يطيقه بشر؛ رأيت توأمي “محمد” ينقسم جسده إلى نصفين. تخيلوا.. نصفه يرحل ونصفه يصارع الموت لـ 40 دقيقة، لم يصرخ فيها، بل كان يرتل القرآن حتى فاضت روحه للسماء، وصوته لا يزال يسكن أذني حتى هذه اللحظة.

جزئ من علاجي شاهد هنا

أفقت لأجدني بلا أقدام.. بُترت ساقاي من فوق الركبتين، وبقيت لي في يدي اليسرى أربعة أصابع فقط. غادرت غزة بجسدٍ مكسور، على متن طائرة حربية متجهة إلى إيطاليا، تاركاً خلفي والدي في جحيم غزة، ومحمداً في ترابها الطاهر. عشرون يوماً وأنا أنادي “محمد”، ولم يجرؤ أحد أن يخبرني أن توأمي قد سبقني إلى الجنة.

اليوم، أنا في روما.. أعيش في “كامب” للاجئين، لكنني لست لاجئاً، أنا مشروع شهادة مؤجلة. قضيت أربعة أشهر في المستشفى، وبفضل الله، وبقوة الإرادة التي استمددتها من ذاكرة الجمباز والسيرك، أنا اليوم أمشي! نعم، أقف على أطرافٍ من حديد، وأمشي بخطى ثابتة لأنني أدركت أن الله إذا سلبني أقداماً تمشي على الأرض، فقد وهبني جناحين من يقين.

لم يكتفِ الاحتلال بمنعي من الباركور، فأراد الله لي “منبراً” أعظم. بدأت رحلتي مع المحتوى الديني؛ صرت أرتل القرآن الذي كان يرتله محمد وهو يودع الحياة، وأنشد أناشيد الثبات واليقين. كل نغمة تخرج من حنجرتي هي وفاءٌ لدم توأمي، وكل آية أتلوها هي ضمادٌ لجروح مصابين البتر في غزة الذين أسست لهم فريقاً لندعم بعضنا البعض عبر حسابي “أحمد المصاب”.

كيف كانت حياتي وكيف اصبحت شاهد هنا 

أنا اليوم لست أحمد الذي ينتظر كرسياً كهربائياً، بل أنا أحمد الذي جعل من “كاميرات” روما منبراً لغزة. أنا أحمد الذي يبكي من يسمعه، ليس شفقة، بل انبهاراً بصبره. قد ترحل الأقدام، وقد تفقد الأطراف، لكنّ “أحمد الغلبان” سيبقى يرتل وينشد، ليعلم العالم أن غزة لا تموت، وأننا حتى ونحن ننزف.. نغني للجنة.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى