تحولات صامتة فى بوصلة الاستثمار العربى من الترفيه إلى التصنيع والتسليح

تحولات صامتة فى بوصلة الاستثمار العربى من الترفيه إلى التصنيع والتسليح
كتب/ أيمن بحر
تشهد المنطقة العربية فى السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً فى أولوياتها الاستثمارية بعدما فرضت التحديات الاقتصادية والجيوسياسية واقعاً جديداً على صناع القرار حيث لم تعد مشاريع الترفيه والرياضة وحدها قادرة على حمل طموحات التنمية أو حماية الاقتصادات الوطنية فى ظل تقلبات الأسواق العالمية وتصاعد الأزمات الإقليمية
خلال العقد الماضى اندفعت بعض الدول العربية وفى مقدمتها السعودية نحو ضخ استثمارات ضخمة فى قطاعات الترفيه والرياضة والسياحة في إطار خطط تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط وقد نجحت هذه الاستراتيجية فى إعادة تشكيل الصورة الذهنية لتلك الدول عالمياً وجذب الانتباه الدولى إليها باعتبارها مراكز جديدة للفعاليات الكبرى والاستثمارات الحديثة
غير أن الضغوط المالية المتزايدة الناتجة عن تذبذب أسعار النفط وارتفاع تكاليف المشاريع العملاقة إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية دفعت نحو إعادة تقييم هذه التوجهات حيث بدأت ملامح تحول تدريجى تظهر فى السياسات الاستثمارية مع إعطاء أولوية أكبر للقطاعات الإنتاجية وعلى رأسها التصنيع والصناعات العسكرية
هذا التحول لا يعنى التخلي الكامل عن قطاع الترفيه لكنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأمن الاقتصادى لا ينفصل عن الأمن الاستراتيجي وأن بناء قاعدة صناعية قوية يمثل ركيزة أساسية للاستقرار طويل المدى خاصة فى منطقة تعانى من اضطرابات مستمرة وتحديات أمنية معقدة
كما أن التوجه نحو التصنيع والتسليح يعزز من فرص نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وخلق فرص عمل نوعية وهو ما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على الاعتماد على الذات وتقليل الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة
فى المقابل فإن تقليص بعض المشاريع الترفيهية أو إعادة هيكلتها يعكس واقعية جديدة فى إدارة الموارد حيث باتت الحكومات أكثر حرصاً على تحقيق التوازن بين الطموح والجدوى الاقتصادية خاصة فى ظل الالتزامات المالية الضخمة المرتبطة باستضافة أحداث عالمية كبرى
التحولات الحالية تشير إلى أن المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات حيث لم يعد الإنفاق الضخم على الصورة والانفتاح الثقافى كافياً بمفرده بل أصبح من الضروري دعمه بقاعدة إنتاجية قوية تضمن الاستدامة وتعزز من مكانة الدول على خريطة النفوذ العالمي
وفى ظل هذه المعطيات يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الدول العربية على تحقيق التوازن بين الاستثمار في القوة الناعمة ممثلة في الترفيه والرياضة وبين القوة الصلبة القائمة على التصنيع والتسليح وهو التحدى الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة فى المنطقة




