
بقلم كاتب الصعيد
حسين ابوالمجد حسن
مقال همسات قلبي للدكتورة حنان عبد الاخر ينتمي الى ذلك اللون من الكتابة الوجدانية التي تمزج بين التأمل الايماني والتجربة الانسانية حيث لا يكتفي النص بسرد فكرة بل يسعى الى تهذيب النفس واعادة تشكيل نظرتها الى الحياة
منذ العنوان نحن امام همسات لا صرخات اي ان الخطاب داخلي هادئ موجه الى اعماق القارئ لا الى سطحه هذه البداية تمهد لاسلوب يقوم على الرفق النفسي لا الصدمة وعلى الاقناع الهادئ لا الخطابة المباشرة
يقوم مقال د.حنان على فكرة مركزية واضحة وهي ان الالم ليس عبثا بل اداة بناء خفية للشخصية وتتفرع هذه الفكرة عبر علاقات سببية متتابعة حيث تتحول القسوة الى قوة والالم الى تحمل والغدر الى حذر والفشل الى خبرة واصرار والصدمات الى وعي واقعي بهذا التدرج يتحول النص من مجرد وعظ الى اعادة برمجة فكرية لطريقة فهم الحياة
الفقرة التي تبدأ بعبارة علمني ربي تمثل العمود الفقري للنص حيث لا تنسب الكاتبة د.حنان الحكمة الى تجربة شخصية فقط بل الى مرجعية الهية مما يمنح النص قوة روحية ومصداقية وجدانية ويغرس الطمأنينة في نفس القارئ كما تعكس فكرة الجزاء على العطاء رغم الالم فلسفة العطاء الصامت وهي من القيم الرفيعة في الادب الروحي
بعد تأسيس فهم الالم ينتقل النص الى دعوة اخلاقية تدعو الانسان ان يكون مصدرا للنور والامان والامل لمن حوله حتى وان كان مثقلا بالهموم وهنا يتحول النص من تحليل المعاناة الى توجيه السلوك فيصبح اكثر تأثيرا وعمقا
ترسم الكاتبة د حنان نموذجا انسانيا راقيا يقوم على كتمان الالم والابتسام رغم الانكسار والعطاء دون انتظار والتسامح مع الاخرين والتمس الاعذار لهم وهو نموذج يقترب من صورة البطل الصامت الذي يحتفظ بكرامته الداخلية ولا يسعى لاستدرار الشفقة
ورغم ان هذا النموذج يبدو مثاليا الى حد بعيد وقد لا يتحقق كاملا في الواقع الا ان الهدف منه ليس رسم صورة واقعية بقدر ما هو السعي للارتقاء بالنفس نحو الافضل
اللغة في نص د حنان عبدالاخر بسيطة لكنها مشحونة بالعاطفة وتعتمد على التكرار والتقابل والجمل القصيرة مما يمنحها ايقاعا وجدانيا مؤثرا ويجعلها اقرب الى الخواطر الادبية التي تلامس القلب مباشرة
وفي عمق نص د. حنان تتجلى رسالة واضحة وهي ان الانسان لا ينبغي ان يقاوم الالم فقط بل عليه ان يفهمه ويعيد توظيفه ليصبح قوة دافعة نحو النضج وان يظل رغم انكساراته مصدرا للخير والنور لمن حوله
بهذا المعنى يصبح مقال د. حنان محاولة لبناء انسان داخلي متماسك قادر على مواجهة الحياة بوعي وصبر واحسان ويؤدي دوره الحقيقي في تخفيف قسوة العالم دون ان يفقد انسانيته



