
بقلم
كاتب الصعيد حسين ابوالمجد حسن
لم اكن اركض من الرصاص فقط بل كنت اركض من قدر بدأ يطاردني منذ ولادتي
الهواء في صدري صار نارا والطريق امامي يتكسر كأن الزمن نفسه يتشقق تحت قدمي
وصلت الى سيارتي بصعوبة واندفعت بها خارج محيط الاهرامات بينما كانت الطلقات تلاحقني كأنها تعرف اسمي جيدا
لم انظر خلفي لم يكن هناك وقت للخوف ولا للتفكير
كان هناك شيء واحد فقط
الصعيد
في الطريق
لم يعد الراديو ازيزا فقط
بل تحول الى صوت واضح
نبض عميق
كأنه قلب الارض
تيك تيك بوم
تيك تيك بوم
ثم صوت
لم يكن بشريا
ولا آليا
بل شيء بينهما
اقترب يا حامل الشيفرة
الوتر الاخير يناديك
تجمدت يداي على المقود
من يتحدث
وكيف يعرف
لكن الاجابة لم تأت بالكلمات
بل جاءت في صورة
ظهرت على شاشة الهاتف
منزلي
لكن ليس كما اعرفه
كان هناك شيء تحته
شيء ضخم
شيء ينبض
الوصول
وصلت الصعيد قبل الغروب
القرية كانت هادئة بشكل مرعب
لا اصوات
لا اطفال
لا حتى نباح كلاب
كأن الحياة انسحبت منها فجأة
تقدمت نحو منزلي
الباب مفتوح
والارض تحت قدمي تهتز بخفة
نفس النبض
نفس التردد
دخلت
وكانت الصدمة
ارضية المنزل لم تعد كما هي
بل انشقت
وفي قلبها ظهرت دائرة حجرية ضخمة محفورة بنقوش لم ار مثلها من قبل
نقوش تشبه ما رأيته داخل الهرم
لكن اكثر تعقيدا
واكثر حدة
وفي المنتصف
فتحة سوداء
تتنفس
نعم
تتنفس
ومن داخلها يخرج صوت
اشبه بانين العالم
لم اكن وحدي
صوت خلفي
تصفيق بارد
التفت
كان الرجل ذو المعطف الداكن
لكن هذه المرة لم يكن وحده
رجال ببدلات سوداء
عيونهم فارغة
كأن ارواحهم سحبت منهم
قال بهدوء
وصلت اخيرا يا يحيى
لقد تأخرنا كثيرا
صرخت
لن اسمح لكم
ابتسم
وكأن كلماتي مزحة
قال
انت لا تفهم
نحن لا نريد تدمير العالم
نحن نعيد كتابته
اقترب خطوة
ثم اشار الى الدائرة
هذه هي النقطة السابعة
القلب
هنا يضرب وتر الارض الاخير
وهنا يبدأ الصدى
ثم قال بنبرة اخطر
وانت المفتاح
الحقيقة الاخيرة
شعرت بشيء يتحرك في دمي
حرارة
ثم برودة
ثم صوت
ليس من الخارج
بل من داخلي
رأيت صورا
لم اعشها
لكنها لي
رجل عجوز
حسين عثمان
يقف في نفس المكان
ينحت بيديه هذه الدائرة
ثم يهمس
اذا جاء يوم الصدى
فليكن الدم هو القفل
عدت الى الواقع
وانا اسقط على ركبتي
فهمت
لم اكن المفتاح فقط
كنت القفل ايضا
صرخت بكل ما في داخلي
لن يحدث
مددت يدي نحو النقوش
وشعرت بجرح ينفتح في كفي
الدم سال
وسقط على الحجر
وفجأة
كل شيء توقف
الصوت
الاهتزاز
الرجال
حتى الهواء
ثم
انفجار من الضوء
صرخة خرجت من جوف الارض
ليست غضبا
بل رفضا
النقوش بدأت تتلاشى
الدائرة تنغلق
والفتحة تختفي
الرجل ذو المعطف الداكن تراجع
ولأول مرة
رأيت الخوف
قال بصوت مكسور
ماذا فعلت
نظرت اليه
وقلت
اعدت القفل
النهاية التي ليست نهاية
سقطت على الارض
والظلام ابتلع كل شيء
لكن قبل ان افقد الوعي
سمعت الصوت مرة اخرى
هادئا هذه المرة
لقد تأجل الصدى
لكن الاوتار مازالت حية
عندما فتحت عيني
كنت في منزلي
كل شيء عاد طبيعيا
تقريبا
لكن على يدي
علامة
نفس النقوش
وعرفت حينها
ان الحرب لم تنته
بل بدأت للتو
حين تنكشف حقيقة عين الازل
ويظهر العدو الذي لم يكن في الحسبان انتظرونا في الجزء السادس



