بقلم الكاتب الصحفي: محمود فوزي فرج -الخليج ومصر.. بين عتاب اللحظة وحسابات الاستراتيجية
هل نحن أمام خلاف عابر أم اختبار حقيقي لمستقبل النظام العربي

تحليل صحفي
بقلم: محمود فوزي فرج – كاتب ومحرر صحفي
تشهد الساحة الإعلامية خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخطاب بين بعض دوائر الرأي العام في دول الخليج ومصر، على خلفية التوترات الإقليمية المتصاعدة بين إيران و “الولايات المتحدة و إسرائيل“، عبارات مستفزه من قبيل “ساعدناكم بالمليارات.. ووقت الجد لم نجد مصر” بما يعكس حالة من الغضب والالتباس، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن فجوة أعمق في فهم طبيعة الأدوار والتحالفات.
هل كان متوقعًا أن تحارب مصر؟
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه ، هل كانت بعض الأطراف الخليجية تتوقع من مصر أن تنخرط عسكريًا في مواجهة مباشرة مع إيران؟
القراءة الواقعية تشير إلى أن القاهرة تتحرك وفق عقيدة ثابتة تقوم على تجنب الانجرار إلى حروب إقليمية مفتوحة لا تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. فمصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتبنى منذ سنوات نهجًا يقوم على احتواء الصراعات لا توسيعها، كما أن المعطيات الميدانية حتى الآن لا تشير إلى استهداف مباشر لدول الخليج من الجانب الإيراني، بل تركزت الضربات في معظمها على مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي فقط، وهو ما يجعل قرار الدخول في مواجهة شاملة مسألة شديدة التعقيد.
الفجوة بين “الدعم المالي” و ”القرار السيادي”
لا يمكن إنكار أن دول الخليج قدمت دعمًا اقتصاديًا كبيرًا لمصر في فترات مختلفة، لكن تحويل هذا الدعم إلى أداة ضغط سياسي أو عسكري يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقات بين الدول.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تُدار بمنطق “المقابل الفوري”، بل وفق توازن المصالح طويلة المدى، ومصر، بحكم موقعها وثقلها، ترى أن الحفاظ على استقرارها الداخلي وتماسك مؤسساتها هو في حد ذاته ضمانة لأمن الخليج، وليس العكس.
تعقيدات المشهد الإقليمي
المنطقة اليوم ليست ساحة صراع تقليدي، بل شبكة معقدة من التداخلات:
- وجود عسكري أمريكي واسع في الخليج
- صراع مفتوح بين إيران وإسرائيل
- تنافس دولي بين قوى كبرى مثل الصين وروسيا والغرب
و في هذا السياق، يصبح أي تحرك عسكري غير محسوب بمثابة مخاطرة استراتيجية قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
الاتهامات المتبادلة.. وخطورة التعميم
الخطاب المتداول على بعض المنصات يتضمن اتهامات مباشرة لدول خليجية بالتورط في ملفات إقليمية حساسة، من السودان إلى إثيوبيا وسد النهضة، وصولًا إلى أزمات سوريا واليمن، لكن التعامل مع هذه القضايا يتطلب تفكيكًا دقيقًا ومعالجة موضوعية، بعيدًا عن التعميم أو اختزال المشهد في سرديات صدامية، لأن هذه الملفات تخضع لتشابكات سياسية واقتصادية معقدة، تتداخل فيها أطراف دولية وإقليمية متعددة.
هل القواعد الأجنبية حماية أم عبء؟
أحد أبرز محاور الجدل يدور حول دور القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج. فبينما تراها بعض الدول عنصر حماية، يرى آخرون أنها قد تتحول إلى نقطة استهداف في حال تصاعد الصراع، وهذه المفارقة تعكس معضلة أعمق، هي كيف يمكن تحقيق الأمن دون الاعتماد الكامل على قوى خارجية؟، وهل يمكن بناء منظومة دفاع عربي مستقل؟
مشروع غائب: القوة العربية المشتركة
منذ سنوات، طرحت مصر فكرة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وبناء قوة عسكرية عربية قادرة على حماية المصالح الجماعية.
لكن هذا المشروع لم يرَ النور بالشكل الكافي، بسبب تباين الرؤى والمصالح بين الدول، واليوم ومع تصاعد التهديدات، يعود هذا الطرح ليكتسب أهمية أكبر، خاصة في ظل إدراك متزايد بأن الاعتماد على الخارج لا يوفر أمنًا دائمًا.
لحظة مفصلية
المنطقة تقف أمام مفترق طرق:
- إما الاستمرار في إدارة الخلافات البينية بما يفتح المجال لمزيد من التدخلات الخارجية.
- أو التحول نحو نموذج جديد من التعاون قائم على الندية والتكامل.
الخلاصة
التوتر الحالي بين بعض الأصوات الخليجية ومصر لا يجب قراءته كصدام نهائي، بل كـجرس إنذار يكشف الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقات العربية على أسس أكثر وضوحًا.
إن مصر لا ترفض دعم أشقائها، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تُجر إلى صراعات لا تخدم استقرار المنطقة، ودول الخليج تبحث عن ضمانات أمنية في بيئة شديدة الاضطراب، وبين هذا وذاك، يبقى الحل في بناء رؤية عربية مشتركة تقوم على:
- تنسيق سياسي حقيقي
- تكامل اقتصادي
- استقلال استراتيجي تدريجي
الأن السؤال لم يعد ، من يقف مع من؟
بل أصبح ، كيف يمكن للجميع أن يقفوا مع أنفسهم أولًا؟




