مقالات الرأي

من المستفيد من الفوضى؟ حين تتحول المعركة من صواريخ إلى عقول

من المستفيد من الفوضى؟ حين تتحول المعركة من صواريخ إلى عقول

تحليل صحفي

بقلم: محمود فوزي فرج – كاتب ومحرر صحفي

في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع بين إيران و “الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد الحرب تدور فقط في السماء عبر الصواريخ والطائرات، بل انتقلت و بقوة إلى ساحة أكثر خطورة وهي وعي الشعوب، وهنا تحديدًا، يطرح السؤال نفسه وبإلحاح: من المستفيد من الفوضى؟

مشهد أول: صناعة الفتنة الرقمية

المشهد الأكثر كشفًا خلال الأيام الأخيرة يتمثل في النشاط المكثف لبعض المنصات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية، والتي ركزت بشكل لافت على تضخيم أي محتوى سلبي موجه ضد مصر من داخل دول الخليج – حتى لو كان صادراً عن حسابات مجهولة أو مزيفة، إن هذه الآلية ليست عفوية، بل تعكس نمطًا ممنهجًا في إدارة الصراع الإعلامي، يقوم على اصطياد الاستثناء وتحويله إلى قاعدة، بهدف خلق انطباع زائف بوجود توتر شعبي بين مصر وأشقائها في الخليج. والنتيجة المتوقعة طبعاً هي إضعاف التماسك العربي في لحظة إقليمية حرجة.

لكن المفارقة أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الموقف المصري – رسميًا وشعبيًا – يتسم بوضوح شديد إلي رفض الاعتداءات المتبادلة، والتمسك باستقرار الدول، ورفض الانزلاق نحو الفوضى.

مشهد ثانٍ : من “نظرية المؤامرة” إلى “العلنية الكاملة

الأخطر في هذا السياق أن مفهوم “المؤامرة” ذاته لم يعد كما كان. لم تعد الخطط تُحاك في غرف مغلقة بقدر ما أصبحت تُطرح بشكل مباشر وعلني.

فتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تتحدث صراحة عن تحفيز الشعوب ضد أنظمتها، تعكس انتقالًا واضحًا إلى ما يمكن تسميته بـمرحلة ما بعد المؤامرة، حيث لم يعد هناك داعٍ لإخفاء الأهداف، لأن أدوات التنفيذ أصبحت متاحة ومفتوحة للجميع.

في هذه المرحلة، لم تعد الجيوش وحدها هي الفاعل الرئيسي، بل دخلت على الخط أدوات أخري جديدة:

  • منصات التواصل الاجتماعي
  • الحملات الرقمية المنظمة
  • الضغط النفسي والإعلامي
  • توجيه الرأي العام عبر محتوى مُصمم بعناية

مصر بين ثوابت الدولة وضغوط الإقليم:

ووسط هذا المشهد المعقد، تتحرك القاهرة وفق معادلة دقيقة، هي رفض الفوضى من أي طرف، والحفاظ على استقرار الإقليم دون الانخراط في محاور صراعية.

فمصر تعلن بوضوح رفضها لأي تهديد لأمن الخليج، وفي الوقت نفسه ترفض منطق الحروب المفتوحة أو سياسات تدمير الدول من الداخل، وهي سياسة دفعت المنطقة ثمنها غاليًا خلال العقد الماضي.

إن هذا التوازن يعكس إدراكًا عميقًا بأن الفوضى لم تعد نتيجة عرضية للصراع، بل أصبحت أداة في حد ذاتها.

السؤال من المستفيد؟، و الإجابة لم تعد غامضة كما كانت. المستفيد الأول من الفوضى هو كل طرف يسعى إلى:

  • تفكيك الدول من الداخل
  • إضعاف الجيوش الوطنية
  • خلق بيئة تسمح بإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي

وفي هذا السياق، تتحول الفوضى إلى وسيلة لإعادة رسم الخرائط السياسية دون تكلفة المواجهة المباشرة فالحرب الحقيقية أصبحت على “الوعي”، و ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو حرب متعددة المستويات، أخطرها تلك التي تستهدف إدراك الشعوب وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

فالرسائل التي تُبث يوميًا عبر الفضاء الرقمي قد تدفع الأفراد “دون وعي” إلى تبني مواقف تخدم أهدافًا معادية لمصالحهم الوطنية.

وهنا تكمن الخطورة في أن يتحول المواطن إلى أداة في صراع لا يدرك أبعاده، أو كما يصفها البعض: “جندي في جيش خصمه دون أن يعلم”.

الخلاصة

المنطقة تدخل مرحلة جديدة، تتداخل فيها (السياسة بالإعلام، والحرب بالتكنولوجيا، والواقع بالافتراضي)، و لم يعد كافيًا فهم ما يحدث على الأرض فقط، بل أصبح من الضروري قراءة ما يُصنع في الفضاء الرقمي أيضًا.

 وفي ظل هذه المعادلة، يبقى “الوعي” هو خط الدفاع الأول
لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى