
من كتاب الزينة
تأليف خالد البنا
الفصل الأول
الزينة
21
ليس الإنسان هو الذي يكتشف الزينة أولًا، بل الزينة هي التي تكتشفه.تقترب منه ببطء، كما يقترب الضوء من عين طفل لم يتعود بعد على اللمعان.في البداية لا تبدو الزينة خطيرة. تبدو مجرد أشياء جميلة تحيط بالحياة.
ثوب أجمل من ثوب.بيت أوسع من بيت.
شيء يملكه الآخرون فيرغب الإنسان في امتلاكه أيضًا.لكن خلف هذه البساطة الظاهرة تعمل قوة خفية.قوة تجعل الإنسان لا يكتفي بما لديه، بل ينظر دائمًا إلى ما وراءه، إلى ما لدى الآخرين، إلى ما يمكن أن يكون عليه لو امتلك المزيد.ومن هنا تبدأ الرحلة الطويلة.
ليست رحلة البحث عن الأشياء فقط، بل رحلة البحث عن الصورة التي يريد الإنسان أن يبدو عليها في أعين الآخرين.
22
الزينة لا تسكن الأشياء بقدر ما تسكن نظرة الناس إليها.فالشيء في ذاته قد يكون بسيطًا، لكنه يكتسب قيمته حين يصبح علامة.
علامة على الثراء.أو على النجاح.أو على التفوق.
وهكذا تتحول الأشياء الصغيرة إلى رموز.
لا يشتريها الإنسان دائمًا لأنها ضرورية، بل لأنها تقول شيئًا عنه.إنها لغة صامتة يتحدث بها الناس دون كلمات.لغة تقول ..انظروا إليّ.
23
ومع مرور الوقت، يصبح الإنسان أقل وعيًا بما يحدث داخله.يظن أنه يسعى بإرادته، بينما كثير من خطواته تتحرك بدافع المقارنة.فالمقارنة هي الوقود الخفي للزينة.لولا أن الإنسان يرى غيره يملك أكثر، لما شعر بالحاجة إلى المزيد.
لكن المقارنة لا تعرف حدودًا.كلما ارتفع الإنسان درجة، وجد أمامه درجات أخرى.
وكلما اقترب من القمة، اكتشف أن القمة نفسها ليست مكانًا ثابتًا.إنها تتحرك باستمرار.
24
ولهذا تبدو حياة كثير من الناس كأنها حركة دائمة.العمل لا يتوقف.الطموح لا يتوقف.
الرغبة في التقدم لا تتوقف.لكن خلف هذا النشاط كله، قد يختبئ سؤال لم يُطرح بعد:
هل هذا السعي كله من أجل الحياة،
أم أن الحياة نفسها أصبحت مجرد وسيلة لهذا السعي
25
الزينة بارعة في تغيير المعاني.فهي تجعل الوسائل تبدو كأنها غايات.البيت الذي كان في البداية وسيلة للراحة يصبح رمزًا للمكانة.
والعمل الذي كان وسيلة للعيش يصبح مقياسًا للقيمة.وهكذا يبدأ الإنسان في النظر إلى نفسه من خلال الأشياء التي تحيط به.
وكلما زادت هذه الأشياء، شعر بأنه أكبر.
لكن هذا الشعور قد يكون هشًا.
لأنه قائم على شيء يمكن أن يزول.
26
وهنا يكمن القلق الخفي.
فالإنسان الذي يربط قيمته بما يملك، يعيش دائمًا تحت تهديد الفقدان.الخوف من الخسارة يصبح رفيقًا دائمًا.خسارة المال.خسارة المكانة.
خسارة الصورة التي بناها لنفسه.وهكذا تتحول الزينة، التي وعدت بالسعادة، إلى مصدر قلق مستمر.
الصفحة 27
والأعجب من ذلك أن الإنسان قد لا يلاحظ هذا التحول.فالحياة تمضي بسرعة.السنوات تتراكم،
والإنجازات تتراكم،والأشياء تتراكم.
لكن في مكان ما داخل النفس، يتراكم أيضًا التعب.تعب لا يعرف له الإنسان اسمًا واضحًا.
تعب يأتي من الركض الطويل خلف أشياء لا تبقى.
28
وفي لحظة هدوء نادرة، قد ينظر الإنسان إلى حياته كما ينظر المسافر إلى طريق طويل قطعه.
قد يرى نجاحات كثيرة.وأشياء كثيرة حصل عليها.لكن السؤال الذي قد يظهر فجأة هو:
لماذا يبدو الطريق أطول مما توقعت؟
ولماذا يبدو الوصول أقل إشباعًا مما تخيلت؟
29
الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها هي أن الزينة لا تمنح الاكتفاء.هي تمنح اللمعان، لا الامتلاء.
تمنح لحظة من الإعجاب، لا شعورًا دائمًا بالطمأنينة.ولهذا يظل الإنسان يبحث عن المزيد، ظنًا منه أن الشيء التالي قد يكون مختلفًا.
لكن الأشياء تتشابه أكثر مما يظن.
وما يتغير هو درجة اللمعان فقط.
30
وحين يقترب الإنسان من هذه الفكرة، تبدأ رؤيته للحياة في التغير ببطء.
ليس لأن الزينة اختفت، بل لأنه أصبح يراها على حقيقتها.يراها كجزء من الحياة، لا مركزها.
ويرى أن العالم الذي كان يبدو صلبًا وثابتًا، قد يكون في حقيقته مجرد طبقة رقيقة من البريق فوق أسئلة أعمق بكثير.أسئلة عن المعنى،
وعن الغاية،وعن الإنسان نفسه.



