آداب وفنونأخبار مصريةقصص نجاحاتمقالات الرأيمنوعات

مسجد انتظر نصف قرن

حين ينتصر الإيمان على الزمن

مسجد انتظر نصف قرن… حين ينتصر الإيمان على الزمن

بقلم / امير وليد عوض الرئيس الإقليمي لجريدة زون نيوز جلوبال الدولية في جمهورية مصر العربية

في قلب القاهرة، وتحديدًا عند ميدان المظلات، لم يكن ذلك البناء مجرد أعمدةٍ وأسمنتٍ يرتفعان ببطء عبر السنوات… بل كان قصة شعب، وذاكرة جيل، وشاهدًا على زمنٍ كامل مرّ من أمامه وهو ينتظر الاكتمال.

إنه مسجد الرحمن بالمظلات المسجد الذي بدأ حلمًا عام 1975م وتحول إلى حكاية تتناقلها الأجيال، حتى صار أحد أطول مشروعات البناء الديني زمنًا في تاريخ مصر الحديث.

بداية الحلم… رجل آمن بالفكرة

وُضع حجر الأساس للمسجد على يد المجاهد والرمز السويسي الراحل حافظ سلامة، رئيس جمعية الهداية الإسلامية، الذي حمل على عاتقه فكرة إقامة صرحٍ إسلامي مهيب يخدم أبناء المنطقة ويكون منارة دعوية وتعليمية.

منذ اللحظة الأولى، كان المشروع قائمًا على التبرعات الخيرية الخالصة. لم يكن مدعومًا بميزانيات حكومية ضخمة، بل بإيمان البسطاء، وجنيهاتٍ خرجت من جيوب العمال والموظفين وأصحاب القلوب العامرة بالنية الصادقة.

نصف قرن من الانتظار… حكاية يعرفها كل بيت

على مدار ما يقرب من 47 إلى 50 عامًا، ظل المسجد قيد الإنشاء.

أجيال مرت من أمامه:

أطفال كبروا وهم يرونه يُبنى.

شباب تزوجوا وأنجبوا، وما زال البناء قائمًا.

حكايات ونكات وتعليقات شعبية كانت تُقال عن “جمع التبرعات” الذي طال لأكثر من أربعة عقود.

منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، لم تكن هناك وسيلة مواصلات في القاهرة الكبرى إلا ومرّ بها صوت يدعو للتبرع لاستكمال مسجد الرحمن. أصبح الاسم جزءًا من الذاكرة الجمعية للمصريين.

ولم يكن طول المدة ضعفًا… بل كان شهادة على أن البناء القائم على الخير وحده يحتاج صبرًا بحجم الإيمان.

عمارة تلامس السماء

جاء تصميم المسجد على غرار مسجد الفاتح في إسطنبول، في إشارة واضحة إلى الطراز العثماني المهيب.

ومن أبرز مواصفاته:

أربع مآذن شامخة.

مئذنة بارتفاع يقارب 110 أمتار، تُعد من بين الأعلى في مصر، ويُقال إنها الثانية بعد جامع الفتح.

مساحة تقارب 4000 متر مربع.

قدرة استيعابية ضخمة في المناسبات الكبرى.

معهد ديني ملحق لخدمة التعليم الشرعي.

إنه ليس مجرد مسجد، بل مجمع ديني متكامل يجمع بين العبادة والعلم.

لحظة الحسم… تسليم الإدارة للأزهر

في خطوة فارقة، تم تسليم المسجد رسميًا إلى الأزهر الشريف، ليتولى الإشراف الكامل على إدارته ودعوته وتعليمه.

وهنا تتحول القصة من مجرد اكتمال مبنى… إلى بداية مرحلة جديدة تحت مظلة أعرق مؤسسة إسلامية سنية في العالم.

لماذا يهز هذا الحدث الوسط الإعلامي؟

لأن مسجد الرحمن ليس مجرد افتتاح عادي.

هو:أطول مشروع بناء ديني قائم على التبرعات في مصر الحديثة.

نموذج حيّ لصبر المجتمع المدني عبر عقود.

قصة تُدرّس في الإصرار الشعبي على تحقيق الحلم.

رسالة بأن الإيمان قد يتأخر انتصاره… لكنه لا يُهزم.

في زمن السرعة والإنجاز الفوري، يقف مسجد الرحمن ليقول للعالم:

“بعض الأحلام تحتاج جيلًا كاملًا كي تكتمل.”

شهادة جيل

أنا واحد من أبناء هذا الجيل الذي نشأ وهو يرى المسجد يُبنى.

كبرنا أمامه… وكبر معنا.

كنا نحزن لطول مدة الإنشاء، ونتساءل: هل سيأتي يوم ونراه مكتملًا؟

وجاء اليوم.

وكان من أسعد الأخبار التي سمعناها.

لم يكن افتتاحًا لمبنى فقط… بل كان انتصارًا للذاكرة، وللصبر، وللدعاء الذي لم ينقطع خمسين عامًا.

كلمة أخيرة

رحم الله الشيخ حافظ سلامة، وجزى كل من تبرع ولو بجنيه واحد خير الجزاء.

هذا المسجد شهادة حية أن العمل الصادق لا يضيع، وأن البناء بالإيمان قد يطول… لكنه يبقى.

مسجد الرحمن بالمظلات ليس مجرد صرح معماري،

بل عنوان مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع المصري.

وها هو اليوم يفتح أبوابه…

ليبدأ فصلًا جديدًا بعد نصف قرن من الانتظار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى