
من كتاب الحكم عبادة
تأليف خالد البنا
الفصل الثاني
الوحدة الثانية: الحاكم بين الناس…
لم يكن الحُكم مهنة
ولم يكن الحاكم يومًا في التجربة الإسلامية الأولى كائنًا فوق البشر، ولا ظلًا إلهيًا على الأرض، ولا صاحب امتيازات مقدسة.كان إنسانًا عاديًا… يزيد عنه الناس عبئًا واحدًا فقط.. المسؤولية.
الحكم لم يكن سُلّمًا اجتماعيًا، ولا مهنة تُورَّث، ولا فرصة للثروة، بل تكليف ثقيل، يخشاه من يفهم معناه، ويهرب منه من يعرف عاقبته.
ولهذا لم يكن الحاكم معزولًا عن الناس، بل كان غارقًا فيهم.
1. الحاكم بلا حواجز.. سقوط فكرة المسافة المقدسة
في تلك المرحلة، لم تُعرف فكرة المسافة بين الحاكم والمحكوم.
لا أبواب مغلقة، لا مكاتب محصنة، لا بروتوكولات، لا حراسات تمنع الناس من الوصول.
كان الحاكم يمشي في الطرقات، يسمع الشكوى كما يسمعها أي عابر، ويُسأل كما يُسأل أي إنسان.
وهنا نلمح فارقًا جوهريًا بين نموذجين:
نموذج يرى أن السلطة تخلق قداسة
ونموذج يرى أن المسؤولية تفرض تواضعًا
في النموذج الأول، يعلو الحاكم كلما زادت سلطته.
في النموذج الثاني، ينخفض الحاكم كلما زادت مسؤوليته.
2. كان الحاكم مكشوفًا لا محميًا
لم يكن الحاكم في مأمنٍ من النقد، ولا محصنًا من السؤال، ولا محاطًا بجدار نفسي أو أمني.
كان يعرف أن قوته الحقيقية ليست في السيف، بل في الرضا العام.
ترك الحراسة لم يكن تهورًا، بل رسالة
أنا لا أخافكم… لأنني لم أظلمكم
والفرق هنا دقيق وخطير..
الحاكم العادل لا يحتاج إلى حماية مبالغ فيها
الحاكم الظالم لا يطمئن إلا خلف الأسوار
كل زيادة في الحراسة، كل طبقة أمنية إضافية، كل سيارة مصفحة، هي في الحقيقة علامة خوف، لا علامة قوة.
3. الحكم كحياة… لا كوظيفة
لم يكن الحاكم يذهب إلى الحكم صباحًا ويعود منه مساءً.
لم يكن هناك فصل بين الحياة الخاصة والسلطة العامة
الحكم كان نمط حياة.
ينام كما ينام الناس، يأكل كما يأكلون، يمرض كما يمرضون.
فلا يمكن لحاكمٍ لم يعرف الجوع أن يفهم معنى العدالة الغذائية.
ولا يمكن لمن لم يعرف الخوف أن يدرك معنى الأمن الحقيقي.
هنا نفهم لماذالم تكن هناك رواتب خيالية
ولم تكن هناك امتيازات
ولم تكن هناك فجوة طبقية بين الحاكم والمحكوم
4. حين يصبح القصر لعنة
التاريخ يخبرنا أن أول انحراف في الحكم يبدأ من القصر.
القصر ليس بناءً فقط، بل فكرة..
فكرة الانفصال
فكرة التفوق
فكرة نحن وهم
حين يسكن الحاكم القصر، يبدأ لا شعوريًا في رؤية الناس من أعلى.
وحين يعتاد الترف، يصبح الفقر أمرًا نظريًا.
وحين تحيطه النعمة، يصبح الألم خبرًا لا تجربة.
لهذا لم يكن غريبًا أن تنهار كل الدول التي حوّلت الحكم إلى مهنة فاخرة.
5. الحاكم كأول محاسَب… لا كآخر من يُسأل
في هذا النموذج، لم يكن الحاكم قاضيًا فقط، بل كان متهمًا دائمًا أمام ضميره.
كان يبدأ بنفسه..
يحاسب نفسه قبل موظفيه
يضيق على ذاته قبل أن يضيق على الناس
يخشى السؤال أكثر مما يخشى الفتنة
وهنا يتجلّى المعنى العميق للحكم كعبادة:
العبادة ليست طقوسًا… بل عدلًا يوميًا
6. لماذا لم يتكرر هذا النموذج
لأن هذا النموذج مكلف أخلاقيًا.
لا ينجح فيه إلا من..
زهد في المال
وخاف من الظلم
واعتبر السلطة امتحانًا لا غنيمة
أما البشر في أغلبهم فيميلون إلى
التملك
التحصن
السيطرة
ولهذا كان هذا النموذج استثناءً تاريخيًا، لا قاعدة.
7. الدرس الذي لم نتعلمه
كل مرة ابتعد فيها الحاكم عن الناس..
بدأ الفسادبدأت القسوةبدأت لغة الاستعلاء
وتحول الشعب من أصحاب حق إلى عبء
وكل مرة اقترب الحاكم من الناس:خفّ التوتر
انخفض العنفاستقرت الدولةوهدأ المجتمع
الحكم لم يفشل لأنه مثالي…
بل فشل لأنه يتطلب إنسانًا أعلى من شهوته.
والسؤال الذي تتركه هذه الوحدة للقارئ ليس:
لماذا لم يتكرر هذا النموذج
بل هل نحن مستعدون أصلًا لتحمّل ثمنه
هل نحن مستعدون لتحمّل ثمنه
يعني ببساطة شديدة وبوجع صادق إن الدولة العادلة ليها تكلفة…
لكن هذه التكلفة ليست مالا، هذه التكلفة أخلاق وسلوك وتنازلات.
أولًا: ثمنه على الحاكم
الحاكم يتنازل عن الامتيازات ..يتنازل عن القصر…يتنازل عن الهالةيتنازل عن فكرة أنا فوق ويقبل إنه يُسأل يُحاسَب يُنتقد يعيش حياة عاديةوهذا ثمن قليل من الناس تستطيع تحمله
ليس لأنهم أشرار…لكن لأن السلطة مُغرية.
ثانيًا: ثمنه على النخبة الوزراء….. رجال الأعمال
الدولة العادلة معناها..لا رجل أعمال قريب من السلطة لا قاض فوق الشبهةلا وزير خط أحمر
يعني..الأرباح تقل النفوذ يختفي الشطارة تصبح جريمة
وهذا ثمن النخبة ترفضه تاريخيًاولذا دائمًا تشوّه النموذج العادل وتقول هذا حكم مثالي لا يصلح للعصرثالثًا..ثمنه على الشعب نفسه وهذا هو الأخطر
وهنا الصدمة…الدولة العادلة ليست فقطحاكم عادل أيضا شعب عادل.
يعني لا ترش موظف لا تتحايل على القانون لا واسطة
لا تفرح بظلم غيرك
يعني لا تطلب العدالة وانت أول من يكسرها
وهذا ثمن ثقيل على المجتمعات لأن الظلم الصغير مريح لكن العدل الكامل متعب.
رابعًا.. ثمنه في الواقع السياسي
الدولة العادلة..بطيئة في القرار لاخوف لا كذب وهذا يجعلها أقل قدرة على القمع أقل قدرة على السيطرة وأكثر عرضة للنقد يعني أضعف شكليًا… لكن أقوى إنسانيا والزمن لا يتحمل ذلك
خامسًا: الحقيقة المُرّة
ولذا ظهر لحظة نادرة في التاريخ
ثم اختفى
ثم عاد استثناءً مع عمر بن عبد العزيز
ثم غاب مرة أخرى ليس لأن النموذج غلط
لكن لأن البشر تغيّرواولأن السلطة لما تحولت لمهنة…العبادة خرجت من الحكم.
هل نحن مستعدون لتحمل ثمنه…هل نحن مستعدون نعيش بعدل بدل ما نعيش بذكاء…
هل نحن مستعدون نخسر امتيازاتنا الصغيرة
مقابل كرامة عامةهل نحن مستعدون نحاسب أنفسناقبل ما نلعن الحاكم لو الإجابة نعم
الدولة العادلة ممكن تعود.ولو الإجابة لا
سنظل نكتب عنها كتب…ونحكيها حكايات…
ونلعن غيابها كل يوم.
البعض يسأل اذن نظام حكم الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة هو نظام الحكم الأمريكي…
أولًا نقطة الانطلاق .. الاتفاق الجوهري
رغم إن المرجعية مختلفة تمامًا
(وحي إلهي … دستور وضعي)
إلا إن فيه تشابه مدهش في الفلسفة العملية للحكم.
1️⃣ الحاكم ليس إلهًافي نظام الرسول والراشدين الحاكم بشريخطئ ويُراجع
يُحاسَب……..يُعزل نظريًا وعمليًا
عمر بن الخطاب يقول..أصابت امرأة وأخطأ عمر
في النظام الأمريكي..الرئيس موظف
يُنتقد علنًا يُحاسَب يُعزل (Impeachment)
الاتفاق الحاكم ليس مقدسًا
ولا فوق القانون.2️⃣ الحكم وظيفة لا ملكية
في الدولة الراشدةالحكم تكليف ليس وراثيًا
لا يتحول إلى ثروةلا يُورَّث للأبناءفي أمريكا
الحكم وظيفة مؤقتةلا يُورَّث لا يُحصّن الحاكم بعد خروجه لا يملك أدوات الدولة بعد انتهاء ولايته الاتفاق..السلطة محدودة بزمن
وليست غنيمة.
3️⃣ الفصل بين الحاكم والمال في الدولة الراشدة..بيت المال منفصل الحاكم لا يملك الخزينةلا يفتحها لرغباته يُحاسَب على الدرهم
في أمريكا نظريًاميزانية الدولة خاضعة للكونغرس لا يملك الرئيس الخزانةلا يصرف منفردًاالإعلام يراقب الاتفاق
الخطر الأكبر = اتحاد السلطة والمال وكلا النموذجين حاولا منعه.ثانيا.. الاختلافات الجوهرية (وهنا العمق)
1️⃣ مصدر الشرعية
الرسول والراشدون:
الشرعية أخلاقية .. دينية ..رضى عام
الحاكم يُسأل: هل عدلت
أمريكا…
الشرعية انتخابية فقط
الحاكم يُسأل….. هل فزت
الفرق الخطير
في الإسلام…الأخلاق شرط للحكم
في أمريكا.. الأخلاق ميزة إضافية مش شرطًا.
2️⃣ الغاية من الحكم
في النموذج الإسلامي..إقامة العدل حفظ.. الكرامةتحقيق الخير العام
الحكم عبادة
في النموذج الأمريكي
إدارة المصالح حفظ التوازن خدمة القوة القومية
الحكم إدارة
الفرق الجوهري…
الإسلام يسأل.. ما الحق
أمريكا تسأل…ما الممكن
3️⃣ موقع الفقير والضعيف
في الدولة الراشدةالفقير مركز المعادلة
الحاكم مسؤول عنه شخصيًا
الجوع فضيحة سياسية وأخلاقية
في أمريكا..
الفقير ملف اجتماعي..يُدار بالأرقام
لا يُسأل الحاكم أخلاقيًا عن جوع فرد
الفرق الإنساني..
العدل في الإسلام شخصي وفي أمريكا مؤسسي بارد.
4️⃣ حدود القوة والعنف
في الإسلام
الأصل……العفو
القوة آخر الحلول
حتى المنتصر يُطالب بالرحمةفتح مكة نموذج
في أمريكا..
القوة أداة طبيعية
الردع أولًاالعنف مقبول إن خدم المصلحة
الفرق التاريخي…
الإسلام حاول تقليل العنف
أمريكا تديره وتُحسنه.
النظام الأمريكي اقتبس آليات
المحاسبةتحديد السلطةتداول الحكم لكن فقد الروح لم يجعل الحكم عبادةلم يجعل العدل غايةلم يجعل الفقير معيار النجاح
بينما النموذج النبوي..
سبقهم في الفكرةوتفوّق في الأخلاق
لكنه فشل في الاستمرار لأن البشر لم يحتملوا ثمنه
لقد اتفق النظامان على كبح الحاكم،
واختلفا في لماذا نحكم.
هناك كان الحكم وظيفة،
وهنا كان عبادة.
وحين انفصلت العبادة عن السلطة،
عاد الحكم مهنة…
وعاد الظلم ممكنًا.
…………..
اللوبي وصناعة الحاكم في أمريكا
فكرة اللوبي بهدوء وعمق، وبطريقة تفكّك الأسطورة
الديمقراطية الأمريكية من غير تهويل ولا تبسيط مخلّ..
اللوبي هو..
شبكة مصالح اقتصاديةسياسيةعسكرية/إعلامية
تعمل بشكل منظم للتأثير على القرار السياسي
من خلال المال، والإعلام، والضغط التشريعي،
وليس من خلال صناديق الانتخاب وحدها.
مهم جدًا: اللوبي ليس تنظيمًا سريًا
بل جزء قانوني من النظام الأمريكي.
كيف يعمل اللوبي عمليًا الآلية الحقيقية
1️⃣ المال قبل الفكرة
في أمريكا…لا حملة انتخابية بلا تمويل
الإعلان … ملايين الدولارات
الإعلام … تكلفة هائلة
التنقل …طائرات، فرق، مكاتب
هنا يدخل اللوبي..
شركات سلاح…بنوك كبرى…شركات أدوية
لوبيات قومية مثل اللوبي الصهيوني
شركات نفط وطاقة
اللوبي لا يسأل المرشح
هل أنت أخلاقي.. بل…هل ستخدم مصالحنا
2️⃣ صناعة المرشح لا اختياره
الأسطورة تقول…الشعب يختار الرئيس
الحقيقة…اللوبي يصنع قائمة الممكنين
والشعب يختار من بينها.
المرشح الذي يرفض تمويل اللوبي يعارض مصالحه يهدد أرباحهغالبًا لا يصل أصلًا للمرحلة النهائية.ليس بالقت…بل بالتجاهل الإعلامي
أو التشويه أو حرمان التمويل.
3️⃣ الإعلام: السلاح الأهدأ
أغلب وسائل الإعلام الكبرى…مملوكة لشركات
أو مرتبطة بممولين..أو خاضعة لسوق الإعلان
📺 الإعلام..
يصنع صورة الزعيم…يضخم زلة خصم
يتغاضى عن فساد حليف..الناخب يظن أنه يرى الحقيقةبينما هو يرى نسخة مختارة بعناية.
4️⃣ بعد الفوز… يبدأ السداد
الانتخابات تنتهي لكن الفاتورة تبدأ:
قوانين تُمرَّرحروب تُشعل صفقات سلاح
إعفاءات ضريبية
………
لا تُسأل أمريكا لماذا تحارب بل من المستفيد
مقارنة صادمة مع الحكم النبوي والراشدي
في نموذج الرسول والراشدين…
لا لوبي لا تمويل لا إعلام مملوك
لا شركات ضغط
الحاكم يُختار بالكفاءة والسبق والعدل يُحاسَب أخلاقيًا قبل سياسيًايُعزل بالحق لا بالمال
لم يكن هناك من يشتري القرارولا من يموّل الضمير
لماذا يبدو النظام الأمريكي عادلاًأحيانًا
لأنه ينجح في إدارة الصراع
لا يمنعه يوزّع الظلم
ولا يلغيه عدالة إجرائية لا عدالة أخلاقية.
…..
في الدولة الراشدة
كان الطريق إلى الحكم يمر عبر الضمير،
وفي أمريكا
يمر عبر اللوبي.هناك كان السؤال
هل أنت أعدلنا وهنا السؤال
من يمولك
وحين يصبح المال طريق الحكم،
لا يعود الحاكم راعيًا،بل مدير مصالح.ومن هنالم يعد السؤال هل نحكم بالعدل
بل هل نحن مستعدون لتحمل ثمن العدل



