من كتاب حرب الفكرة
تأليف خالد البنا
الفصل الأول قبل أن يسأل السؤال
صفحة 2
مع توسع الدولة الإسلامية، واجه المسلمون تحديات جديدة من خلال احتكاكهم بثقافات وحضارات متعددة. فالدخول إلى بلاد فارسية وهندية وقبطية أضاف لغزًا جديدًا: كيف نفهم الدين في ضوء منطق وفلسفة شعوب أخرى؟ بدأت أسئلة العقل تتسرب إلى الحقل الإسلامي: ما طبيعة الكلام الإلهي؟ هل يمكن أن يُحدث، أم أنه أزلي؟
حركة الترجمة الكبرى لعبت دورًا محوريًا. ترجمت كتب المنطق والفلسفة والرياضيات، ما فتح أبواب النقاش على مصراعيها أمام علماء المسلمين. فالمفاهيم الجديدة – الجوهر والعرض، القدم والحدث، العلّة والمعلول – لم تكن مألوفة للعقل الإسلامي الذي تربّى على نصوص القرآن والحديث مباشرة.
في بغداد، مراكز العلم الكبرى، مثل دار الحكمة، تحوّلت إلى ساحات لممارسة الفكر الحر. العلماء والمترجمون والطلاب كانوا مجتمعين بين رفوف الكتب والمخطوطات، يتبادلون الأفكار والنقاشات، ويوازنّون بين ما يأتون به من الفلسفة وبين ما يأخذونه من التراث الإسلامي.
في هذه المرحلة، كان العقل المسلم لا يزال محافظًا على جوهر الدين، لكنه بدأ يختبر أدوات جديدة لفهم النص. النقاش لم يكن تهديدًا، بل كان تمرينًا لتقوية العقل وتوضيح المفاهيم، والتفريق بين ظاهر النص وباطنه.
كان السؤال عن القرآن، في هذه المرحلة، مجرد حوار ذهني: أهو كلام الله الأزلي، أم حادث؟ لم يكن بعد أداة للسلطة، ولم يكن سببًا للسجن أو القتل، بل كان موضوعًا للنقاش في مجالس العلماء والمترجمين، حيث يُسمح بالخطأ والاجتهاد ضمن حدود الأدب والمنطق.

