
من رواية أرض الأوهام
تأليف خالد البنا
“كلما جلستُ وحدي، شعرت أن الأرض لا تزال تحاصرني… ليست أرضًا بيعت، ولا فدادين تقاسمتها الأيدي، بل فكرة قديمة متجذّرة في القلب. كأنني لم أفلت منها، ولم تفلت هي مني. ولعلّها لم تكن يومًا ملكًا لنا، بل كنا نحن المملوكين لها… أسرى وهم اسمه “الملكية”.
منصور رحل، ورحل قبله أبي، وأمي، وغيرهما كثير. تركوا خلفهم الأرض كما تركوها، لم يصطحبوا منها حجرًا ولا حفنة تراب. ومع ذلك، عاش كل واحد منهم حياته محمّلًا بأعبائها، مطاردًا بهاجسها، مقيّدًا بوعدها وخسارتها. كنتُ أراقبهم وأتساءل: أكانوا سعداء يومًا؟ أم كانوا يظنون أنهم سعداء لمجرد أنهم يملكون عقدًا مختومًا أو أوراقًا مسجّلة؟
الزمن لا يُكذّب أحدًا. الزمن وحده هو الذي يكشف أن الأرض لا تُملك. نحن فقط نُكلَّف برعايتها مؤقتًا، ثم نُسلب منها كما يُسلب طفل من حضن أمه، بلا استئذان ولا رحمة.
…
أدركتُ أن الإنسان خُلق ليعيش تجربة “الوضع اليدوي” لا الوضع الأبدي. كل ما نمسك به هو استعارة مؤقتة. البيوت التي نسكنها، الأرض التي نحصد منها، حتى الأجساد التي نحيا بها… كلها مُعارَة. نحن لسنا مُلّاكًا، نحن ضيوف عابرون.
…
كنتُ أسمع أمي في لحظاتها الأخيرة تقول بصوتٍ خافت: الأرض فتنة. لم أفهم يومها. كنت أظنها تقصد الخلاف بين الإخوة أو البيع والشراء. لكنني صرتُ أعلم الآن: الأرض ليست الفتنة في ذاتها، بل الفتنة في قلوبنا. حين نعلّق عليها مصيرنا، حين نظن أن حياتنا كلها تُقاس بكم فدان نملك، أو بكم نخلة نُحصي.
…
لقد صارت الأرض مرآة. عكست ضعفنا، طمعنا، حبنا للحياة، خوفنا من الفقر، وندمنا على القرارات. عكست وجوهنا أكثر مما أعطتنا من زرع أو ثمر. ولو لم تكن الأرض، لكان هناك شيء آخر يكشف معدننا: تجارة، وظيفة، ميراث آخر. ليست الأرض هي الأصل، بل نحن.
…
رحل منصور وهو مطمئن أن المال رجع، لكن أي مال هذا؟ مالٌ يتبخر مع الوقت، يُنفق هنا وهناك، ويبقى من ورائه ذكرى صراع طويل. ورحل أبي وهو نادم على بيع أرضه الأولى. ورحلت أمي وهي مطمئنة أننا ما زلنا نملك بعض الفدادين، رغم مرارة الفقد. أما أنا، فقد بقيتُ أحمل السؤال: من الذي امتلك من؟ نحن أم الأرض؟
…
أحيانًا أتصور أن الأرض تسخر منّا. تنظر إلينا ونحن نتصارع حولها، كما يتصارع الأطفال على لعبةٍ مكسورة. تضحك من جهلنا، ثم تصمت. فهي تعرف أننا إلى زوال، وهي إلى بقاء. كلنا مجرد سطور في دفتر طويل، يُمحى منه جيل ويُكتب جيل آخر.
…
أيها القارئ، لا تظن أن الحكاية انتهت ببيع الأرض، أو بموت منصور. فالحكاية لا تنتهي أصلًا. الحكاية مستمرة منذ آلاف السنين: أجيال تتصارع، تُقسم الأرض، تبيعها، تُعيد شراءها، ثم ترحل. الأرض باقية، والوجوه تتبدل.
…
تعلمتُ أن الملكية وهم. وأن كل ما بين أيدينا ليس إلا “وضع يد” مؤقت على ما لا نملك. حتى العمر نفسه “وضع يد” على زمنٍ سيُسحب منّا في لحظة. نحن نعيش مؤقتًا، نُحب مؤقتًا، نتقاتل مؤقتًا… ثم نغيب.
…
إن أردت الحكمة، فخذها من الأرض: تعطي بلا شرط، وتسترد بلا تفاوض. تُذكرك أن العدل الوحيد هو الموت، والميزان الحقيقي ليس في العقود، بل في ضمائرنا.
…
وأنا أكتب هذه السطور، لا أعرف هل أنا آخر الحكاية أم فصلٌ في منتصفها. لكنني أعلم يقينًا أن الأرض ستظل هناك، صامتة، شاهدة، لا تُبالي بمن كُتب اسمه على الورق، ولا بمن وُضع في جوفها. كلنا سنصير ترابًا فيها، ولن يميز التراب بين صاحب أرضٍ وغريب.
…
يا بني، تذكر هذه الكلمة: الأرض لا تُملك، الأرض تُعاش. وإذا أردتَ أن تترك ميراثًا حقًا، فلا يكن فدانًا ولا بيتًا، بل حكمةً وذكرى ورضًا. أما الأرض، فستجد من يبيعها بعدك، ومن يشتريها، ومن يرثها، ومن يندم عليها. إنها لا تكترث. إنها تبقى.
…
هكذا انتهت حكايتي، لا بانتصارٍ ولا بهزيمة، بل بوعيٍ جديد: أن الأرض لم تكن إلا مرآةً لنا. وأننا لم نكن يومًا سوى عابري سبيل في رحلة قصيرة، أمسكنا فيها “بوضع يد” على لحظات من الأمل والخيبة. أما الحقيقة، فهي أن كل شيء في هذه الحياة عارية… حتى الحياة ذاتها.”
معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026
دار الكتابة تجمعنا للنشر والتوزيع
جناح 6
C61




