آداب وفنون

حين تتحول الركله الي اسطوره.حيث العالم بدأ بركله

فانتازيا تعيد تعريف البطوله للكاتبه اروى ضياء الدين

بقلم الصحفي / حسين أبوالمجد حسن
في زمنٍ تتشابه فيه الحكايات، وتُستهلك فيه الفانتازيا حتى التخمة، تطلّ رواية «حيث بدأ العالم بركلة» كعملٍ مختلف، لا يكتفي بسرد مغامرة خيالية، بل يجرؤ على إعادة تعريف مفهوم البطولة، ومصدر القوة، وحدود العالم الممكن.
الرواية، الصادرة عن دار ابن لقمان للنشر والتوزيع، للكاتبة أروى ضياء الدين، لا تبدأ بسيفٍ مسحور، ولا بنبوءةٍ قديمة، بل بركلة تايكوندو… ركلة واحدة تشقّ الواقع، وتفتح بوابة بين عالمين.
من الحلبة إلى المصير
بطلتنا «جنّة» ليست أميرة، ولا ابنة نبوءة، ولا وريثة دمٍ أسطوري.
هي فتاة عادية، جسدها مشدود بالتدريب، وروحها مثقلة بالحلم.
لكن لحظة واحدة — ضربة قاضية في حلبة رياضية — تتحول إلى شرارة كونية، تقذف بها إلى عالم «إيثيريا»، حيث لا تحكم القوانين التي نعرفها، ولا تُقاس القوة بما تحمله الذراع، بل بما يتحمله القلب.
هنا تكمن فرادة الرواية:
الكاتبة لا تستبدل الواقع بالخيال، بل تُعيد صياغته.
الرياضة تتحول إلى لغة قدر،
والعرق يصبح طقس عبور،
والهزيمة ليست نقيض النصر، بل شرطه الأول.
«إيثيريا»… عالم يُحاكم الإرادة
في عالم «إيثيريا»، حيث تسود قوى نورانية منسية تُعرف باسم «النجمة الساقطة»، يصبح الصراع أكثر عمقًا من مجرد معركة بين خير وشر.
إنه صراع بين الاختيار والاستسلام،
بين من يُقاتل ليبقى،
ومن يُقاتل ليكون.
وهنا تنجح أروى ضياء الدين في تقديم فانتازيا ذات بعد فلسفي وإنساني، لا تنشغل بالزخرفة اللغوية وحدها، بل تبني عالمًا له منطق داخلي، وصراعات أخلاقية، وأسئلة وجودية تُطارد القارئ حتى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة.
كاتبة تراهن على المختلف
أروى ضياء الدين تكتب بثقة من يعرف ما يريد قوله.
أسلوبها يجمع بين السلاسة والعمق، بين الصورة البصرية المشحونة، والبعد النفسي للشخصيات.
هي لا تُقدّم بطلة خارقة، بل بطلة تُخطئ، تتألم، وتنهض، وهو ما يجعل «جنّة» قريبة من القارئ، مهما ابتعد العالم الذي تسكنه.
الرواية تُعلن دون ضجيج — عن صوت أدبي يعرف طريقه، ويغامر خارج القوالب الجاهزة للفانتازيا العربية.
دار ابن لقمان… حين يكون النشر موقفًا ثقافيًا
صدور العمل عن دار ابن لقمان للنشر والتوزيع ليس تفصيلًا عابرًا.
فالدار، خلال السنوات الأخيرة، رسّخت مكانتها كمنصة جادة تحتضن الأعمال التي تراهن على القيمة لا الاستهلاك، وعلى الفكرة لا الضجيج.
دار ابن لقمان لا تكتفي بطباعة الكتب، بل تصنع مسارًا ثقافيًا، تدعم الأصوات الجديدة، وتمنح الأدب العربي مساحات آمنة للتجريب، والاختلاف، والجرأة المحسوبة.
واختيارها لرواية «حيث بدأ العالم بركلة» يعكس هذا التوجه بوضوح.
أكثر من رواية… بيان أدبي
هذه الرواية ليست مجرد مغامرة فانتازية،
بل بيان أدبي يقول إن البطولة يمكن أن تولد من الجسد،
وإن العالم قد يتغير… بركلة واحدة.
عمل يستحق التوقف،
والقراءة،
وإعادة القراءة.
لأن بعض الروايات لا تُغلق عند الصفحة الأخيرة،
بل تظل تركل وعينا… طويلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى