مقالات الرأي

غدر ووفاء

عندما يبني الوفاء أمة

 

قراءة في قيصر وبروتس، ومحمد ﷺ وأبي بكر

بقلم خالد البنا


التاريخ لا يُكتب فقط بما فعله الأعداء، بل بما صنعه الأقربون.
فالضربة التي تأتي من بعيد تُوجِع،
أما التي تأتي من القلب… فتهز معنى الإنسان ذاته.
في روما، كان يوليوس قيصر يمشي واثقًا بين رجاله،
لم يكن يخشى السيف،
بل لم يخطر بباله أن الطعنة ستخرج من صدر من فتح له صدره،
من بروتس،
الاسم الذي تحوّل من صديقٍ إلى سؤالٍ أخلاقي معلق في ضمير التاريخ.
قيصر لم يسقط لأن خصومه كانوا أقوياء،
بل لأنه ظنّ أن السلطة تكفي لصناعة الولاء،
وأن القرب وحده يحمي من الخيانة.
وحين سقط، لم تُنقذ روما جمهوريتها،
بل دخلت في فوضى أطول،
كأن التاريخ كان يقول:
الخيانة لا تُقيم عدلًا،
حتى لو ارتدت ثوب المصلحة العامة.
وعلى الضفة الأخرى من التاريخ،
يقف مشهد مختلف،
لا تُسمع فيه صليل السيوف،
بل خفق القلوب.
محمد ﷺ،
لم يُحط نفسه بحرسٍ ولا تاج،
ولم يصنع ولاءه من الخوف،
بل من الصدق.
وحين ضاقت الأرض،
لم يكن بجواره سياسي بارع،
بل إنسان آمن حتى النهاية: أبو بكر.
قال له: «لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا»
فكان الرد الذي يصنع الفارق بين دولة تسقط، ورسالة تبقى:
«ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
هنا لا يُقتل القائد،
ولا تنهار الفكرة،
لأن العلاقة لم تُبنَ على السلطة،
بل على الإيمان المشترك بالمعنى.
مات النبي ﷺ،
ولم تمت الأمة.
بل وقف أبو بكر،
لا ليملأ فراغ السلطة،
بل ليحمي الفكرة من الذهول،
فقال كلمته التي لخصت فلسفة الحكم الأخلاقي:
«من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».
بين قيصر وأبي بكر
فرقٌ ليس في الشجاعة،
بل في المنهج.
قيصر أراد دولةً تدور حوله،
فدارت عليه السكاكين.
ومحمد ﷺ أراد أمةً تدور حول قيمة،
فحفظته القيمة حتى بعد الرحيل.
التاريخ، في جوهره،
ليس سجلًا للدماء،
بل امتحان للوفاء.
وحين نقارن،
لا نفاضل بين حضارتين،
بل بين سؤالين:
هل تصنع السلطة رجالًا؟
أم تصنع القيم رجالًا يحفظون السلطة من السقوط؟
ذلك هو الفرق
بين من قُتل بأقرب الناس إليه،
ومن حُفظ بأقرب الناس إليه.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى