كيف تصنع الجماعات المسلحه مقاتلين بلا عقل ؟

بقلم الكاتب/ محمد نجاح النجمي
كاتب وروائى
قراءة في استراتيجيات التفريغ الفكري وإعادة البرمجة
لا تبدأ خطورة الجماعات المسلحة من السلاح الذي تحمله، بل من العقل الذي تُفرغه قبل أن تُسلّحه. فالتاريخ الحديث يثبت أن الرصاصة لا تكون قاتلة إلا عندما يضغط الزناد إنسان جُرّد مسبقًا من إنسانيته.
تعتمد الجماعات المسلحة، مهما اختلفت شعاراتها الفكرية أو الحزبية أو الدينية، على منظومة واحدة متكررة: صناعة مقاتل مطيع لا يفكر، ولا يتردد، ولا يسأل.
تفريغ الإنسان من محيطه الطبيعي
المرحلة الأولى في الاستقطاب هي العزل. يُعزل الفرد نفسيًا عن أسرته ومجتمعه، ويُصوَّر له محيطه كبيئة فاسدة أو معادية. فيُفقد شعوره بالانتماء الطبيعي، ليصبح مستعدًا لتقبّل أي هوية بديلة تُعرض عليه.
هذا العزل لا يكون دائمًا جسديًا، بل غالبًا ذهنيًا، حيث تُزرع الشكوك في كل ما هو خارج الجماعة.
العقيدة المغلقة: حين تصبح الفكرة سجنًا
لا تُقدَّم العقيدة داخل هذه الجماعات بوصفها رؤية قابلة للنقاش، بل كـحقيقة مطلقة لا تقبل الخطأ. يُعاد تفسير الواقع والنصوص والتاريخ من زاوية واحدة، ويُقسَّم العالم إلى معسكرين:
نحن أصحاب الحق، وهم أعداء الحق.
في هذه اللحظة، لا يعود الخلاف اختلافًا في الرأي، بل يتحول إلى عداء وجودي.
تعطيل العقل النقدي
العقل النقدي أخطر تهديد لأي تنظيم مسلح، لذلك يتم تجريمه مبكرًا. يُصوَّر السؤال كضعف، والتفكير كتشكيك، والتردد كخيانة. تُستبدل الأسئلة بالشعارات، ويُغرق الفرد في خطاب عاطفي مشحون بالخوف أو الوعد بالخلاص.
وهنا يتحول الإنسان من كائن مفكر إلى منفذ للأوامر.
إعادة تعريف العنف
أخطر مراحل التحول هي إعادة تعريف العنف. فالقتل لا يُقدَّم كجريمة، بل كواجب، ولا يُنظر إليه كفعل دموي، بل كوسيلة تطهير أو بطولة أو تنفيذ لإرادة عليا. وبهذا يُفصل الفعل العنيف عن نتائجه الإنسانية، فتغيب صورة الضحية، ويُلغى الشعور بالذنب.
الإنسان الأداتي
في النهاية، يُصنع ما يمكن تسميته بـالإنسان الأداتي: فرد يُختزل في وظيفته القتالية. لا قيمة له خارج ما يقدمه للجماعة. هو رقم قابل للاستبدال، وأداة تُستهلك باسم قضية كبرى لا يُسمح له بمناقشتها.
الخلاصة
الجماعات المسلحة لا تبني عقيدة بقدر ما تهدم إنسانًا. إنها لا تنتصر بالفكر، بل بتعطيله، ولا تُقنع، بل تُسيطر. والخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح، بل في العقل الذي أُقنع أن فقدان الرحمة فضيلة، وأن التخلي عن إنسانيته بطولة.
المواجهة
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون أمنية فقط، بل:
فكرية: بإحياء العقل النقدي.
تربوية: بتعليم الاختلاف دون شيطنة.
اجتماعية: ببناء انتماء صحي لا يقوم على الكراهية.
دينية وفكرية: بتحرير المفاهيم من الاحتكار والتوظيف.
فكل فكر يمنعك من السؤال…
هو فكر لا يخاف عليك، بل يخاف منك.


