صناعه الأفكار.. حين يدار الشرق الأوسط من غرف الظل

بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
لا تُدار الأمم الحديثة بالسلاح وحده، بل بإعادة تشكيل وعيها، وتزوير ذاكرتها، وصناعة أعدائها وأصدقائها وفق خرائط تُرسم بعيدًا عن أعين الشعوب. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر، خضع الشرق المسلم لمشروع طويل المدى هدفه تفكيك الدولة، وتديين السياسة، وتسليح العقيدة، وتحويل الدين من منظومة أخلاقية إلى أداة صراع دائمة، وهي الآلية التي شرحها إدوارد سعيد بدقة عند تفكيكه للعلاقة بين المعرفة والسلطة في المشروع الغربي تجاه الشرق
البداية كانت بتوصيات صادرة عن دوائر الحكم بالسر في أوروبا، رأت أن السيطرة المباشرة لم تعد مجدية، وأن البديل الأكثر فاعلية هو ضرب البنية الداخلية للمجتمعات عبر أدوات محلية. هذا التوجه تبلور في دراسات مؤسسية مبكرة، كان من بينها النشاط البحثي المرتبط بجامعة أكسفورد منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، حيث أُرسلت بعثات استشراقية لدراسة الفقه، والبنية الاجتماعية، والعقيدة، والنفسية الجمعية للمسلمين، بتمويل مفتوح من النخبة الحاكمة البريطانية، وعلى رأسها بنيامين دزرائيلي، في إطار ما كشفه لاحقًا باحثون عن التواطؤ البريطاني مع الحركات الدينية السياسية
هذه الدراسات لم تكن أكاديمية بريئة، بل تحولت إلى أدلة تشغيل استخباراتي، وهو ما توضحه الوثائق الرسمية البريطانية المحفوظة في الأرشيف الوطني، والتي تكشف بوضوح كيف استُخدمت المعرفة كأداة للهيمنة وإدارة المستعمرات من الداخل لا من فوق
في هذا السياق ظهر جمال الدين الأفغاني، الذي لعب دورًا محوريًا في نقل الأفكار من الورق إلى الواقع، عبر تنظيمات سرية وشبكات تأثير عابرة للحدود، أسهمت في إسقاط الخديوي إسماعيل، وتهيئة المسرح لصعود الخديوي توفيق، الذي لم يكن وصوله إلى الحكم سوى خطوة سياسية مهدت للاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، في واحدة من أنجح عمليات تفكيك الدولة من الداخل قبل السيطرة العسكرية عليها.
بالتوازي، كانت الصهيونية السياسية تتشكل باعتبارها مشروعًا استيطانيًا مكتمل الأركان. تيودور هرتزل صاغ الفكرة في صورتها الحديثة، ووضع لها إطارًا تاريخيًا توراتيًا واضحًا، مؤكدًا في يومياته أن إقامة دولة لليهود ليست حلمًا، بل برنامجًا سياسيًا مرحليًا، وهو ما وثّقه بنفسه لاحقًا باعتباره إنجاز مؤتمر بازل 1897 . وقد أعاد والتر لاكير تفكيك هذا المشروع بوصفه حركة استعمارية حديثة تستخدم الدين كغطاء أيديولوجي لتحقيق أهداف سياسية صلبة
ومع اندلاع ثورة 1919 في مصر، واتحاد المسلمين والأقباط في مواجهة الاحتلال البريطاني، صدر القرار بإعادة تفعيل سياسة التفتيت، فكان توظيف التنظيمات الدينية السياسية كأداة لشق الصف الوطني، وضرب فكرة الدولة الجامعة من الداخل، وهي السياسة التي استمرت بأشكال مختلفة طوال القرن العشرين.
بعد ذلك بعقود، جاءت حرب أكتوبر 1973 لتكشف بوضوح أن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل معركة وعي ورواية. الفريق سعد الدين الشاذلي وثّق في مذكراته تفاصيل العبور والانتصار العسكري، كاشفًا كيف أُفرغ الإنجاز من مضمونه لاحقًا عبر تسويات سياسية وإعلامية أعادت تشكيل وعي الأجيال التالية
ومنذ تلك اللحظة، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة، أصبحت فيها الجماعات الدينية المسلحة، والصراعات الأهلية، والإعلام الموجَّه، أدوات دائمة لإبقاء المنطقة في حالة سيولة وفوضى، بينما تُدار الخيوط من غرف مظلمة، لا ترى في الشعوب سوى مواد خام لمشروعات النفوذ.
المصادر المعتمدة داخل التقرير
إدوارد سعيد – الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء
مارك كيرتس – الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي
الأرشيف الوطني البريطاني وثائق وزارة الخارجية ومكتب الهند
تيودور هرتزل – اليوميات
والتر لاكير – تاريخ الصهيونية
الفريق سعد الدين الشاذلي – حرب العبور


