مقالات الرأي

انا آسف بريطانيا.. حين تتحول حقوق الإنسان الي رساله استخباراتية

بقلم: حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
لم يكن مشهد استقبال علاء عبد الفتاح في لندن مجرد لفتة إنسانية أو انتصارًا لحقوق الإنسان كما حاولت الحكومة البريطانية تسويقه، بل كان — في تقديري — عرضًا سياسيًا مكشوفًا، انقلب سريعًا إلى فضيحة داخلية حين بدأ البريطانيون أنفسهم في البحث عمّن استقبلتهم حكومتهم بهذا الحماس غير المفهوم.
فالرجل الذي قُدِّم فجأة كرمز للحرية، لم يحتج سوى ساعات حتى تعود كتاباته القديمة، وتصريحاته الصدامية، ومواقفه العدائية تجاه الغرب وبريطانيا نفسها، إلى الواجهة.
وهنا لم يعد السؤال: من هو علاء عبد الفتاح؟
بل أصبح: لماذا أصرت لندن عليه إلى هذا الحد؟
من صناعة الرموز إلى سقوطها
الغرب يجيد صناعة الرموز السياسية، لكنه يفشل دائمًا حين يعتقد أن الذاكرة العامة قصيرة.
فعلاء عبد الفتاح لم يكن يومًا ليبراليًا بالمعنى الغربي، ولا منسجمًا مع قيم الديمقراطية الليبرالية التي رُفع باسمه لواؤها في لندن.
بل على العكس، حمل خطابه — في مراحل سابقة — نزعة أيديولوجية حادة، ولغة عدائية، وتصورًا صداميًا للعالم.
ومع ذلك، جرى تجاهل كل هذا عمدًا، وكأن الدولة البريطانية قررت أن تُغلق الملف، لا أن تقرأه.
الجنسية البريطانية: حماية أم توظيف؟
حصول علاء عبد الفتاح على الجنسية البريطانية لم يكن إجراءً إداريًا عاديًا، بل قرارًا سياسيًا بامتياز.
والسؤال هنا ليس: هل يستحقها؟
بل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الإصرار؟
الدول لا تتحرك بهذه القوة، ولا تضغط بهذا العناد، ولا تحمّل الملف كل هذا الثقل الدبلوماسي، إلا حين يكون الأمر أكبر من فرد.
رأيي الشخصي: لماذا أراه ورقة استخباراتية؟
من وجهة نظري، وبقراءة سلوك الدولة البريطانية لا خطابها، فإن ما جرى لا يمكن تفسيره بمنطق حقوق الإنسان وحده، بل بمنطق الرسائل الاستخباراتية.
فالحكومة البريطانية بدت وكأنها تستميت في الإفراج عن علاء عبد الفتاح، ليس فقط لإنقاذ شخص، بل لإرسال رسالة واضحة إلى دوائر أوسع في الشرق الأوسط:
بريطانيا لا تترك من خدم مصالحها… حتى لو سقط.
هذه ليست لغة عواطف،
ولا سلوك منظمات حقوقية،
بل منطق أجهزة تعرف جيدًا أن الثقة هي رأس مال العمل في المناطق المضطربة.
الاستخبارات — تاريخيًا — لا تبحث عن الملائكة، بل عن المؤثرين، ولا تمانع في التناقضات، ما دام الشخص قادرًا على الإزعاج والضغط وصناعة الفوضى الناعمة عند الحاجة.
ومن هذه الزاوية فقط، يصبح المشهد مفهومًا:
ضغط سياسي غير مسبوق
تجاهل كامل لأرشيفه الفكري
استعداد لتحمّل غضب الشارع البريطاني
وتحويل شخص خلافي إلى قضية كرامة دولة
كل ذلك ثمن مقبول حين تكون الرسالة أهم من السمعة.
لماذا انقلب البريطانيون على حكومتهم؟
لأن المواطن البريطاني اكتشف فجأة أن حكومته لم تصارحه، ولم تقدّم له القصة كاملة.
فالغضب لم يكن دفاعًا عن مصر،
بل رفضًا لأن تُدار السياسة بعقلية مزدوجة:
شعارات أخلاقية في العلن،
وحسابات باردة في الخفاء.
الخاتمة النارية:
أنا آسف يا بريطانيا…
لكن ما فعلتموه لم يكن دفاعًا عن الحرية،
بل استعراضًا فجًّا لمنطق القوة الاستخباراتية.
لم تُقنعوا شعبكم،
ولم تُحرجوا مصر،
بل كشفتم — دون قصد — كيف يُدار الشرق الأوسط في عقول بعض صناع القرار:
الإنسان أداة،
والشعار غطاء،
والورقة — إن كانت مفيدة — لا تُحرق.
الرموز المصنوعة تسقط،
والأقنعة لا تدوم،
والتاريخ لا يكتب البيانات الصحفية،
بل يسجل التناقضات… ويحاسب عليها.
الرسالة وصلت،
لكن ليس بالطريقة التي أردتموها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى