آداب وفنون

حين احب تشايكوفيسكى..امراءه بشرط الايراها

بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن

“>ليست كل قصص الحب تُقاس باللقاء، ولا تُختصر في نظرة عين أو لمسة يد.
فهناك حبٌّ وُلد من الغياب، وعاش على المسافة، واشتعل بالكلمات وحدها… حبٌّ استمر ثلاثة عشر عامًا دون لقاء، ولم يخفت، بل ازداد توهّجًا حتى انتهى بالموت.
إنها القصة العجيبة التي جمعت بين الموسيقار الروسي العبقري بيوتر إليتش تشايكوفسكي (1840–1893)، صاحب روائع بحيرة البجع وكسارة البندق، وبين الأرملة الثرية المنعزلة ناديجدا فون ميك… المرأة التي أحبّت موسيقاه حتى عبدته، وأحبّته حتى اشترطت ألا تراه.
حبّ يبدأ برسالة
كانت ناديجدا، في الخامسة والأربعين من عمرها، ثرية إلى حدّ الأسطورة، شديدة العزلة، حتى إنها لم تحضر زواج بناتها.
أما تشايكوفسكي، فكان عبقريًا فقيرًا، يعيش ضيقًا ماديًا خانقًا، ويكتب موسيقى تفيض حزنًا وحنينًا.
بدأت القصة برسالة إعجاب، رأت فيها ناديجدا أن موسيقاه «تحيي روحها»، ثم تحوّل الإعجاب إلى دعم مالي سخي، ثم إلى حبٍّ صامتٍ، لا يرى ولا يُرى.
شرط الحب المستحيل
حين اشتعل الحب بينهما، وضعت ناديجدا شرطها الغريب:
لا لقاء… لا رؤية… لا اقتراب.
حتى يظل الحب متوهجًا ولا يخمد.
قبل تشايكوفسكي الشرط، وكتب لها:
«أنتِ وأنتِ بعيدة عني أعزّ عليّ من روحي… لم أعرف في حياتي من كان أقرب إلى نفسي منك».
وكتبت له:
«كلما ازددت حبًا لموسيقاك، ازداد خوفي من لقياك».
حبّ يسكن القصور… دون لقاء
استضافته في قصورها، أعدّت له كل شيء بدقة مذهلة:
البيانو، سجائره المفضلة، أدويته، أوراقه الموسيقية…
ثم أسكنتْه في فيلا تبعد 500 متر فقط عن قصرها، وتبادلا الرسائل يوميًا عبر الخدم.
كانا يعيشان على مرمى خطوات…
لكن إذا لمح أحدهما الآخر صدفة، كان يفرّ هاربًا!
اللقاء الوحيد… بعد 13 عامًا
حدث ما لم يكن في الحسبان.
تأخرت مركبة ناديجدا عن موعدها، وخرج تشايكوفسكي دون علمه…
فتقابلت العيون لأول مرة.
لحظة صامتة، مشحونة بالارتباك.
انحنى هو تحية، وأومأت هي برأسها… ثم مضت المركبة.
كتبت له بعدها:
«كنت في قمة السعادة لأنني رأيتك… لقد بكيت بعد ذلك».
المجد… ثم الفقد
بلغ تشايكوفسكي قمة المجد:
نجاح عالمي، أوسمة، جولات في أوروبا وأمريكا…
لكن الرسائل توقفت.
جاءه الخبر الصاعق:
ناديجدا مريضة بالسل، لم تعد قادرة على الكتابة.
قال محطمًا:
«ثقتي في الناس… بل في العالم كله… انهارت».
موسيقى الوداع
من هذا الانكسار وُلدت السيمفونية الحزينة، أصدق تعبير موسيقي عن اليأس في التاريخ.
وبعد عرضها بأيام، سقط تشايكوفسكي مريضًا، يهذي:
«ناديجدا… تعالي…»
وفي 3 أكتوبر 1893، أغمض عينيه إلى الأبد… دون أن يراها.
وبعد شهرين فقط، لحقت به ناديجدا…
لم تحتمل الحياة بعده.
هكذا انتهت القصة
حبٌّ بلا لقاء
عشقٌ بلا جسد
ورسائل أشعلت موسيقى خالدة
ليس هذا حبًّا عاديًا…
بل أسطورة إنسانية تؤكد أن أعنف المشاعر
قد تولد من الغياب… لا من الحضور.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى