
بقلم: حسين أبوالمجد حسن
باحث في الشؤون التاريخية
في هذه السلسلة الأسبوعية، نعيد قراءة لحظات فاصلة في التاريخ، لم تُغيّر مسار الأحداث بقوة الجيوش وحدها، بل بقوة المعنى، والقرار، والإنسان.
لم تكن الحروب في التاريخ الإسلامي مجرّد صدام سيوف، ولا كانت الانتصارات تُحسم دائمًا بالكثرة والعدة، بل كثيرًا ما تغيّر مسار التاريخ بموقف واحد، أو برجل واحد امتلك من اليقين ما يعادل جيوشًا.
ومن بين تلك اللحظات الفارقة، تبرز واقعة حصار مدينة هرقلة، إحدى أعظم مدائن الروم وأكثرها تحصينًا، في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله، حيث أدّت مبارزة واحدة إلى انهيار معنوي عجّل بسقوط مدينة كاملة.
حصار طويل… وثقة رومانية متعالية
حين فرض الجيش العباسي حصاره على هرقلة، طال أمد المواجهة، وراهن الروم على أسوارهم المنيعة وخبرتهم العسكرية، وظنوا أن الزمن سيعمل لصالحهم.
وفي مشهد استعلائي مقصود، خرج من باب المدينة أحد أشهر فرسان الروم وأشدهم بأسًا، وطلب المبارزة أمام صفوف المسلمين.
مرّت لحظات ثقيلة…
ولم يخرج إليه أحد.
لم يكن ذلك تراجعًا عن القتال، بل حسابًا دقيقًا؛ فمقتل فارس مسلم بارز على مرأى من الجيش قد يهز المعنويات، ويمنح العدو تفوقًا نفسيًا خطيرًا.
زاد الرومي من تحدّيه، فطلب ثلاثة، ثم عشرة، ثم عشرين فارسًا، وحدد موعدًا للمبارزة في اليوم التالي، في رسالة واضحة: هيبة الروم ما زالت قائمة.
غضب الخليفة… وولادة قرار ذكي
حين بلغ الخبر الخليفة هارون الرشيد، غضب غضبًا شديدًا، لا خوفًا من القتال، بل خشية أن تُمسّ هيبة الجيش الإسلامي.
هنا تقدّم بعض المجاهدين باقتراح بالغ الذكاء:
أن يخرج للمبارزة رجل من المتطوعين، لا قائدًا معروفًا،
فإن انتصر، انهارت معنويات الروم،
وإن استُشهد، لم تهتز الروح العامة للجيش.
وافق الرشيد وسأل: ومن لها؟
فجاء الجواب بلا تردد: ابن الجزري.
حين تعرّف العدو على خصمه
في الموعد المحدد، خرج ابن الجزري، وما إن رآه الفارس الرومي حتى عرفه، فقد كان من أبطال الثغور المعروفين لدى الروم أنفسهم.
قال له الرومي:
ألستَ ابن الجزري صاحب الثغور؟
قال: نعم.
هنا تغيّر ميزان المبارزة؛
لم تعد استعراض قوة، بل معركة إرادة وكسر نفس.
خدعة المعركة… وسقوط الأسطورة
طال القتال، وتعادل الطرفان، حتى فاجأ ابن الجزري الجميع بإظهار التراجع والفرار.
ساد الحزن في صفوف المسلمين، وعلت صيحات الفرح من فوق أسوار هرقلة.
ظن الرومي أن النصر بات قريبًا، فانطلق خلفه.
وفي لحظة خاطفة، استدار ابن الجزري بفرسه، وألقى خنجرًا أصاب عنق خصمه إصابة قاتلة، ثم انقض عليه قبل أن يسقط عن فرسه.
سقط الفارس الرومي…
وسقطت معه هيبة الروم العسكرية.
مدينة تسقط قبل أن تُفتح
دوّى التكبير في صفوف المسلمين، وكان أثره النفسي أشد على أهل المدينة من وقع السيوف.
وفي ليلة واحدة، انهارت المعنويات داخل هرقلة، وبدأ الفرار، واضطربت الدفاعات.
لم تُفتح المدينة بكثرة الدماء،
بل بانكسار الثقة.
رفض الغنيمة… وانتصار المعنى
حين دخل المسلمون المدينة، أمر هارون الرشيد بإحضار ابن الجزري، وأغدق عليه المال، لكنه رفض وقال:
“إنما أقاتل ابتغاء ما عند الله،
ومن قاتل في سبيل الله فلا يطلب أجره من غيره.”
لم يكن ذلك موقف زهد فردي،
بل تعبيرًا عن منظومة قيم سبقت السلاح، فصنعت النصر.
قراءة في الدرس التاريخي
تُظهر هذه الواقعة – كما وردت في كتب السير والتاريخ مع اختلاف الروايات في بعض التفاصيل – أن:
الحروب تُحسم نفسيًا قبل أن تُحسم عسكريًا
الإخلاص قد يكون سلاحًا استراتيجيًا
وسقوط المعنويات قد يسبق سقوط الأسوار
هكذا…
لم تكن تلك مجرد مبارزة،
بل لحظة تاريخية هزّت إمبراطورية.
{ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }
تابع السلسلة
لحظات غيّرت مجرى التاريخ



