متلازمة المقارنات الصامتة
بقلم الدكتورة/ إسلام محمد استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)
تُعدّ المقارنات واحدة من أكثر السلوكيات الإنسانية انتشارًا، لكنها في العصر الحديث اتخذت شكلًا جديدًا أشدّ خطورة، وهو ما يمكن تسميته بـ “متلازمة المقارنات الصامتة”. وهي تلك الحالة التي يقارن فيها الإنسان نفسه بالآخرين دون أن يتحدث أو يعترف بذلك، فتدور المقارنات في داخله في صمتٍ مؤلم، يضعف ثقته، ويقلل شعوره بالرضا، ويجعله أسيرًا لإحساس دائم بالنقص.
تبدأ هذه المتلازمة غالبًا عند لحظة عابرة: صورة على مواقع التواصل، إنجاز صديق، خبر سعيد لشخص قريب، أو حتى نجاح بسيط لشخص لا يعرفه المرء معرفة شخصية. ورغم بساطة الموقف، يبدأ العقل في عقد مقارنات تلقائية؛ لماذا هو وليس أنا؟ لماذا وصلوا أنا ما زلت في مكاني؟ كيف استطاعوا تحقيق ما لم أستطع؟ ومع تكرار هذه الأسئلة، يتحول الأمر إلى عادة فكرية تلتهم الطاقة النفسية يومًا بعد يوم.
تكمن خطورة المقارنات الصامتة في أنها غير مُعلنة؛ أي أنها لا تُناقش ولا تُصحَّح، ولا يجد صاحبها من يعيده إلى صوابه، فيستمر في الدوران داخل دائرة مغلقة من جلد الذات، والشعور بالدونية، والضغط النفسي. كما تخلق داخل النفس شعورًا دائمًا بعدم الاكتفاء، مهما كان لدى الشخص من نعم أو إنجازات، لأنه يضع نفسه طوال الوقت في مقارنة مع صورة مثالية للآخرين لا تعكس حقيقتهم، بل جزءًا مُختارًا من حياتهم.
ولعلّ أخطر ما تفعله هذه المتلازمة أنها تسرق تقدير الإنسان لنفسه، وتجعله عاجزًا عن رؤية ما يمتلكه بالفعل. فحين يقارن نفسه باستمرار، ينسى مساره الشخصي، واختلاف ظروفه، وخصوصية رحلته. يتحول تركيزه من ما يستطيع تحسينه إلى ما ينقصه فقط، ومن هنا يبدأ شعور الإحباط والإنهاك النفسي.
إن الخروج من متلازمة المقارنات الصامتة لا يتحقق إلا حين يدرك الإنسان أن لكل فرد طريقه المختلف، وأن النجاح ليس سباقًا جماعيًا بل رحلة فردية لها محطاتها الخاصة. كما يحتاج إلى تدريب عقله على الامتنان، ومراقبة أفكاره، واستبدال المقارنة بالتعلّم: بدلًا من أن يسأل “لماذا هو؟” يسأل “كيف أستفيد؟” أو “ما الخطوة المناسبة لي الآن؟”
وعندما يتصالح الإنسان مع ذاته، ويرى تقدمه الشخصي بعيونه لا بعيون الآخرين، سيكتشف أن مقارنات الأمس لم تكن سوى سرابٍ زائف، وأن قيمته لا تُقاس بما لدى غيره، بل بما يصنعه هو في عالمه الصغير والكبير.