اللغة والكلام

اللغة والكلام :

بقلم/ د. حنان حسن مصطفي
قد يبدو عنوان اللغة والكلام عاديا, ولكنه فى طياته يرسم لنا الطريقة إلى جوهر الذات الإنسانية فما الإنسان وفقا لجاك لاكان الا كائن بالكلام (Parletre – Speaking Being) فماذا كان ليكون الإنسان لولا اللغة ؟!
انبثق التحليل النفسي مع المعلم فرويد من رحم الكلام، بداية مع الطريقة التفريجية (Catharsis) فى حالة التنويم المغناطيسي، ثم تطور ليصبح التداعى الحر (Association libre – Free association) وهو أن نقول كل ما يخطر فى بالنا دون حذف او تعديل مهتمين لترابط وتناسق الأفكار فيستمع المحلل لما يحمله الكلام من ازدواج أو تناقض فى المعنى اى يستمع إلى مالايقال. مما يجعل الكلام يتخطى وظيفته كأداة للتواصل ليكون مسرحا كاشف اللاوعي وهذا ما يفسر قول جاك لا كان “اللاوعي منظم مثل اللغة” اللغة هى مسكن للآخر الكبير فى داخلنا فما نتكلمه هو مستعار من لغة الام والعائلة والثقافة …..فهل ينبع ما نقوله من ذواتنا أم أنه حديث متات من الدال الذى الثقه الاخر بنا؟
دخول الإنسان فى اللغة التى وجدت قبل أن يولد هو القبول بالنقص والاعتراف أننا لم ولن نكون يوما ذات مكتملة، ومن هنا تعريف الذات المنقسمة بين رواية الآخر عنها وبين روايتها الخاصة. وهذا يفسر قول جاك لاكان: ( Les nondupes errant) “من ليس مخدوعا يتوه” اى أن من يعتقد الكمال وينكر الفقد البنوى يخرج عن النظام الرمزى ويكون ضحية الوهم.
أنا الاسم فهو الدال الاول الذى يمنحه الآخر للإنسان ، هو يمنحه موقعا فى النظام الرمزى ولكن لا يعكس هويته. وتتوالى الدوالى التى تملاء الإنسان فيصبح ” نتاج كلمات الآخر” ويبرز هنا مفهوم التذويت اى أن يصبح ما قيل لنا عنا جزاء منا. ولكنه يبقى هناك ناقصا، وهو ما يولد الرغبة، وهذه البداية السلبية تجعل من الإنسان كائنا راغبا قادرا على إعادة ذاته دون أن يكون نسخة عن الآخر ولا تكون هذه البداية الا حين يدرك أن ذلك الآخر هو ناقص أيضا. لا يمتلك لا الكمال ولا الحقيقة. ومن هنا يبدأ بنزع الطبقات عن روايته الخاصة لا بد من التميز بين الآخر الكبير والآخر الصغير ، فما الاول الا مسرح اللغة المتجسد فى الأم كأول آخر كبير وما الثانى غير الشبيه المتمثل بصورة المرأة.
وهكذا لا تعرف اللغة الإنسان فحسب، بل تمنحه إمكان أن يكون. فإن نتكلم هو أن نقبل بالنقص ، وان نعيش فى فراغ بولد الرغبة – ولم يكن الكلام يوما كلاما فارغا بل هو يدخل فى تكوين ذاتنا ويصل إلى أعضاء جسدنا ويجعلنا إناثا أو ذكورا. فالذكورة والأنوثة تتخطى البيولوجيا للتشكيل ضمن رغبة الآخر. إن النص يكتبنا ولا نكتبه، وهذا التأمل يؤكد أن الكلمات ليست مجرد وسيلة للتواصل او نقل المعنى ، بل هى قوة تشكيلية تصوغ فى أعماقنا، لنستكشف رغباتنا ومخاوفنا. من خلاله نعيد ترتيب روابطنا بالآخرين وتقييم علاقتنا ونخلق إمكانية جديدة للفهم والتواصل . كل كلمة نتفوه بها هى جزء من اللاوعي وكأنها خيط يربط بين ما نعيه وما نخفيه فى طيات ذواتنا.
@ الجميع



