أخبار مصرية

الزمن المفقود في الحضارة المصرية

بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن

قراءة علمية أدبية في البرديات الغامضة وسقوط الأسطورة الزمنية

في عمق الرمال التي صمتت آلاف السنين، ما زالت مصر تهمس بما لم يُكتَب بعد.
كل أثر فيها ليس مجرد حجرٍ أو نقشٍ، بل شاهد على وعيٍ سبق الزمان وتجاوز حدود العقل البشري.
ومع ذلك، فإن ما نعرفه اليوم من تاريخها لا يتجاوز طرف الصفحة الأولى من كتابٍ غارق في الأسرار.
إنها الحكاية التي أُعيدت كتابتها مرارًا، حتى غاب الأصل وراء التزوير، وتحوّل المجد إلى أسطورة.
من هنا يبدأ البحث عن “الزمن المفقود” في حضارةٍ لم تزل تُربك العالم بعلمها، وإيمانها، وخلودها.

البردية التي كسرت الصمت

بردية تورين — المعروفة في علم البرديات باسم Turin King List — تعدُّ من أعجب الوثائق التي وصلتنا من مصر القديمة.
فهي لا تكتفي بسرد أسماء الملوك المعروفين بعد توحيد القطرين، بل تمتد لتتحدث عن عصورٍ سبقت التاريخ المدون بآلاف السنين.
تذكر البردية فئات من الحكام تُسمّيهم «أشباه الآلهة»، و«الملوك الحورين»، و«أتباع حورس»، وهي تسميات غامضة لا تنتمي إلى نظام الأسرات التقليدي.
وقد اختلف العلماء في تفسيرها، بين من يراها رموزًا دينية، ومن يرى فيها أثرًا لتاريخٍ سُحق عمدًا تحت أقدام الغزاة.

فجوات الزمن المفقود

السؤال الذي يحير العقول: كيف وُلدت الحضارة المصرية ناضجةً منذ بدايتها؟
كيف شيّد المصريون الأهرام بدقةٍ فلكية دون إرهاصٍ حضاري يسبقها؟
إن الفجوات الزمنية الممتدة بين عصور ما قبل الأسرات وأول أسرة حاكمة تُشير إلى حلقاتٍ مفقودة من التاريخ،
حلقات ربما أُخفيت، أو ضاعت، أو لم يُسمح لها أن تُروى.
ولعل ما نسميه اليوم “بداية التاريخ” ليس إلا استمرارًا لتاريخٍ أقدم، لم تُتح له فرصة البقاء في الذاكرة الرسمية للبشرية.

شروق الشمس مرتين

حين زار هيرودوت أرض مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، وسأل كهنة المعابد عن عمر حضارتهم، أجابوه قائلين:
“لقد أشرقت الشمس مرتين وغربت مرتين.”
تلك العبارة المهيبة ليست لغزًا شعريًا، بل إشارة إلى دوراتٍ كونية شهدتها الأرض، تغيّر فيها محورها ومشارقها.
ولعلها إشارة رمزية إلى حضاراتٍ سابقة غمرتها الطوفانات الكبرى، كما يشهد وادي الحيتان في الفيوم،
الذي يحتوي على هياكل عظمية لحيتانٍ بحرية وسط صحراء تبعد مئات الكيلومترات عن البحر،
وكأن الأرض تروي سِرًّا قديمًا عن أزمنةٍ تبدّلت فيها الملامح والحدود
فرعون وهامان… بين النص والتاريخ

في القرآن الكريم، دقّة لغوية تفك طلاسم التاريخ:

> “إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين.”
لم يقل الله “وجيشهما”، بل “جنودهما”، وكأنما يقصد الدائرة الضيقة من الحاشية والحرس، لا جيش مصر بأكمله.
وهذا يفتح الباب أمام احتمالٍ علميٍّ وتاريخيٍّ أن فرعون الخروج لم يكن من الملوك المصريين الوطنيين،
بل من الغرباء الذين حكموا البلاد زمن الهكسوس — أولئك الذين سرقوا العرش وغيّروا هوية الحكم.
وبذلك تتسق النصوص الإلهية مع ما تحتمله الأدلة الأثرية من غموضٍ في هوية هذا الفرعون.

طمس الوعي التاريخي

تعاقبت على مصر قوى الغزو والاحتلال، وكلٌّ منها مارس لعبة “إعادة كتابة التاريخ”.
من الهكسوس إلى البطالمة إلى الرومان، جرى تبديل النقوش وتحوير الرموز ومسح الأسماء،
فانقلبت الحقائق، واختلطت الميثولوجيا بالسياسة.
وسُرقت برديات كاملة تحمل رموزًا علمية وهندسية كونية لا تزال تدهش علماء العصر الحديث،
برديات ربما احتوت أسرار الطب القديم، ومعرفة النجوم، وعلومًا سبقت العلم الحديث بألفيات.
مصر… أصل الضوء وأمّ العقيدة

مصر لم تكن مجرد مهدٍ للحضارة، بل كانت المعمل الأول للعقل البشري.
فيها وُلد السؤال، ومنها انطلق الإيمان قبل أن تُكتب الديانات.
هي التي قالت للعالم إن للكون ربًّا واحدًا، وإن النظام أصل الوجود، وإن الروح أسمى من المادة.
من أرضها خرجت الحروف الأولى، والأنشودة الأولى، والضمير الإنساني الأول.
ومن ترابها كُتبت بداية الإنسان الباحث عن الخلود.

التاريخ الذي نعرفه ليس سوى ما سمح المنتصرون بكتابته.
أما الحقيقة فهي ما تزال تنتظر من يقرأها بعيون العلم وإيمان القلب.
ومصر — كما كانت دائمًا — لا تنطفئ، لأن النور لا يُطفأ إذا كان منبعُه من الشمس ذاتها.
هي أم الحضارات، وسر الخلود، والصفحة التي لم تُقلب بعد من كتاب الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى