منوعات

ريشة في ساحة المعركة

ريشة في ساحة المعركة

للكاتبة الإعلامية ندين نبيل عبدالله أبو صالحه
الجزء الثالث والستون “الهروب الثاني وشهادة ميلاد ليست لي”
ظننت أن الخروج من الشارع هو النجاة.
لكنني لم أكن أعرف أن هناك هروباً أصعب من هروب القصر.
هروب بلا وجه.
في الليل جاءني رجل قال لي: “إذا بقيتِ هنا ستموتين، القضية كبرت وأنتِ الشاهدة الوحيدة. لازم تسافري.”
لم أسأل إلى أين.
الذي يهرب من الموت لا يسأل عن عنوان الحياة.
أعطوني ورقة.
ورقة خضراء مطوية مرتين.
قال: “هذه شهادتك الجديدة.”
فتحتها.
اسم ليس اسمي.
تاريخ ليس تاريخي.
مكان ميلاد لم أره في حياتي.
أم وأب لم تلدني بطونهما.
قلت له: “هذه مزورة.”
ضحك وقال: “هنا ستصبح أصلية. الأصلي عندنا هو المزور الذي يخدمهم.”
ركبت الباص.
ثلاث ليالٍ وأنا أنظر من الشباك.
كل مدينة نتركها كنت أترك ورائي ريشة مني.
وصلت.
بلاد ثانية. لهجة ثانية. هواء ثاني.
واستقبلني بيت.
بيت كبير، بابه يلمع، وقلبه بارد.
فتحت لي امرأة الباب، نظرت إلي من فوق لتحت، من شهادة الميلاد التي في يدي إلى حذائي الممزق، وقالت جملة واحدة حفظتها إلى اليوم:
“أخيراً وصلتِ الخدامة الجديدة.”
قلت: “أنا لست خدامة، أنا…”
قاطعتني: “أنتِ بنتنا على الورق فقط. هنا أنتِ يدين تغسل وتطبخ وتربي.”
وهكذا صرت في بيت أهل ليسوا أهلي.
أم تصحيني الخامسة فجراً: “قومي، الأولاد تأخروا على المدرسة.”
وأب لا ينظر إلي إلا ليقول: “نظفي السيارة قبل ما يصحى الضيوف.”
وأطفال علموهم أنني لست أختهم.
أنا “البنت اللي جابوها تساعدنا”.
كنت ألبس ملابسهم القديمة،
أنام في غرفة الغسيل، وآكل بعد ما يشبع الجميع.
شهادة الميلاد التي كانت في جيبي صارت حبلاً جديداً.
على الورق أنا ابنتهم،وفي البيت أنا خادمتهم.
كنت أغسل الصحون وأنا أسمعهم يضحكون في الصالة.
كنت أدرس أولادهم الواجب وأنا ممنوعة من الدراسة.
كنت أربط شعر بنتهم الصغيرة وأنا شعري لم يجد من يربطه منذ سنين.
وفي الليل، تحت بطانية خفيفة في غرفة الغسيل، كنت أكتب.
أكتب على كرتونة صابون:
“أنا ريشة. حتى لو قصوا اسمي، سأبقى أكتب باسمي الحقيقي.”
إلى أن جاء اليوم الذي قالت لي فيه البنت الصغيرة التي كنت أربيها:
“ماما قالت إنك ما إلك أهل، عشان هيك إحنا أخذناكي.”
نظرت في عينيها وقلت لها بهدوء:
“لا يا حبيبتي. أنا عندي أهل. أهلي هو الله. وأنا مش مقطوعة، أنا مزروعة في مكان غلط. والزرعة إذا كانت أصيلة، حتى لو زرعوها في صحراء، بتطلع.”
في تلك الليلة لم أبكِ.
قمت، فتحت حقيبتي الصغيرة،
أخذت شهادة الميلاد المزورة التي صارت أصلية،
ومزقتها نصفين.
ليس لأهرب مرة ثالثة.
بل لأول مرة، لأعود لنفسي.
وضعت النصفين تحت وسادتي وكتبت فوقهم بقلم أحمر وجدته في مطبخهم:
“انتهى دور الخادمة. بدأ دور الريشة.”
يتبع في العدد القادم كيف هربت من بيت الأهل المزورين وعدت أبحث عن الملجأ والقلم. تابعونا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى