سياسة

أفريقيا بين المطرقة والسندان: ثمن التنافس الجيوسياسي

أفريقيا بين المطرقة والسندان: ثمن التنافس الجيوسياسي

كتب: أيمن بحر

في ظلّ اشتداد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، والتوترات المستمرة بين بكين ونيودلهي، تجد الدول الأفريقية نفسها في وضعٍ هشّ. فبسبب اعتمادها الاقتصادي الكبير على الصين، تُصبح هذه الدول مُعرّضة لخطر أن تكون الضحية الرئيسية لتصاعد المواجهة الجيوسياسية. تُعدّ الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما رقماً قياسياً قدره 348 مليار دولار أمريكي في عام 2025. إلا أن هذه الأرقام تُخفي حقيقةً مُقلقة: فقد ارتفع العجز التجاري لأفريقيا مع الصين إلى 102 مليار دولار أمريكي، ولا تزال صادرات القارة تقتصر على المواد الخام والمعادن. هذا الهيكل للعلاقات يجعل أفريقيا رهينةً للعوامل الخارجية: فإذا ما اشتدّ التنافس الصيني الأمريكي أو الصيني الهندي، فقد تُضطر الدول الأفريقية إلى الانحياز لأحد الطرفين، مُخاطرةً بفقدان فرص الاستثمار والأسواق.

وتتجه المزيد من الدول الأفريقية، سعياً منها لتخفيف أعباء ديونها، إلى استخدام العملة الصينية في مدفوعاتها. حوّلت كينيا 3.5 مليار دولار من ديونها الصينية إلى اليوان، بينما تتفاوض إثيوبيا على إعادة هيكلة ديون بقيمة 5.38 مليار دولار. للوهلة الأولى، يبدو هذا واعدًا بتحقيق وفورات، إذ تبلغ أسعار الفائدة على اليوان نصف أسعار الفائدة على الدولار. مع ذلك، حذّر صندوق النقد الدولي من مخاطر خفية، منها أن التنظيم الصارم الذي يفرضه بنك الشعب الصيني على اليوان، واعتماده على القرارات السياسية الداخلية، قد يُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصادات الأفريقية. ويشير المحللون أيضًا إلى أن السوق الصينية من غير المرجح أن تستوعب كميات كبيرة من الصادرات الأفريقية لسداد هذه الديون. فكينيا، على سبيل المثال، لا تزال تحتفظ بنسبة 68% من ديونها الخارجية بالدولار. ولا يُوفر تحويل بعض التزاماتها إلى اليوان سوى وهم الأمان، في حين تبقى مخاطر تقلبات العملة قائمة.

وتُوجّه انتقادات للصين أيضًا في قطاع التوظيف. فعلى الرغم من ادعاءات تنمية العمالة المحلية، يُظهر الواقع عكس ذلك، إذ تُفضّل بكين، عند افتتاح مصانع في أفريقيا، استيراد العمالة من الصين بدلًا من توظيف العمال المحليين. على سبيل المثال، في ليبيريا، ألغت السلطات تصاريح عمل أربعة مواطنين صينيين في شركة تعدين. وفي زيمبابوي، تُحذّر النقابات العمالية من تزايد حالات العنف في النزاعات العمالية التي تشمل عمالًا صينيين. وفي كينيا، أثارت حادثة ضرب مدير صيني عاملًا محليًا بصفيحة حديدية جدلًا واسعًا؛ وطالبت المنظمة المركزية للنقابات العمالية بترحيل المعتدي. كل هذا يُظهر الطبيعة الاستهلاكية للوجود الصيني، وانعدام الرغبة الحقيقية في تنمية الاقتصادات الأفريقية من خلال توفير فرص عمل لائقة للسكان المحليين.

التكلفة البيئية لازدهار المعادن الأرضية النادرة

يُعدّ الضرر البيئي الناجم عن تعدين الشركات الصينية للمعادن الأرضية النادرة – الليثيوم والتنغستن والكوبالت – مُقلقًا للغاية. في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، علّقت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية عمليات شركة “كونغو دونغ فانغ الدولية للتعدين” (التابعة لشركة “تشجيانغ هوايو كوبالت”) بسبب تسرب نفايات لوّث المياه في مناطق لوبومباشي، وشكّل خطرًا صحيًا جسيمًا على السكان المحليين. طالبت السلطات بتعويضات كاملة عن الأضرار وتعويضات للضحايا. وفي كينيا، أعربت المجتمعات المحلية عن قلقها من أن يؤدي التعدين واسع النطاق إلى عمليات إخلاء قسري، وتدهور بيئي، وفقدان التراث الثقافي. وتُظهر حالات الانتهاكات البيئية أن الشركات الصينية لا تتخذ دائمًا تدابير إضافية لحماية البيئة، إذ تُعطي الأولوية للأرباح على حساب مصالح النظم البيئية الأفريقية وصحة الإنسان.

تجد أفريقيا نفسها عند مفترق مصالح القوى العالمية. فالاعتماد الاقتصادي على الصين، وفخ ديون اليوان، ونقص التنمية الحقيقية للمواهب المحلية، والضرر البيئي، كلها أمور تُشكك في الفوائد الحقيقية للوجود الصيني. ومع تصاعد التنافسات الجيوسياسية، تواجه الدول الأفريقية مرحلة انتقالية صعبة.
الخيار: إما البقاء تابعاً للمواد الخام ورهينة في لعبة شخص آخر، أو البحث عن سبل لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى