انتقل إلى المحتوى
الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
زون .. الخبر كما يجب أن يكونZONE NEWS GLOBAL
▥ مؤشرات البورصة
الأدب والشعر

مَشْمُومُ الأكاليل في أنَّ المغاربةَ ملوكُ التفاصيل

✎ محمد عقيل◷ 29 سبتمبر، 2026وقت القراءة 1 دقيقة

مَشْمُومُ الأكاليل في أنَّ المغاربةَ ملوكُ التفاصيل

كتب سمير ألحيان إبن الحسين
ثمّةَ عباراتٌ تمرُّ على الأذنِ كما تمرُّ سحابةٌ عابرة، وثمّةَ عباراتٌ أخرى تستوقفُ العقلَ، وتدفعُه إلى إعادةِ النظرِ في أشياءَ كان يظنُّ أنّه يعرفُها من قبل.
ومن هذا الصنفِ الثاني عبارةٌ استوقفتني منذ أن وقعتُ عليها في تجربةٍ ميدانيةٍ لأحدِ المفكرينَ المعاصرينَ، وهو يتحدّثُ عن انطباعاتٍ سجّلها خلال احتكاكِه بشعوبٍ وثقافاتٍ مختلفة، ويختصرُ بعضَ ملامحِها في توصيفاتٍ شديدةِ التكثيف؛ فيرى اليابانيينَ «ملوكَ الانضباط»، والإندونيسيينَ «ملوكَ الطيبة»، والصينيينَ «ملوكَ المهارة»، والهنودَ «ملوكَ الفوضى»، والإيرانيينَ «ملوكَ المفاوضات»، والقطريينَ «ملوكَ الوساطات»، ثم يصلُ إلى المغربِ فيقولُ عن المغاربةِ: «ملوكُ التفاصيل».
لم تكن العبارةُ بالنسبةِ إليَّ مجرّدَ جملةٍ عابرةٍ في حديثٍ عن الشعوب؛ بل كانت أشبهَ بمفتاحٍ أُلقيَ أمامَ بابٍ مغلقٍ، وقال لي فضولي الثقافي: افتحْ، وانظرْ ماذا يوجدُ وراءَ هذا الوصف!
ولذلك لم أتعاملْ مع عبارةِ «المغاربةِ ملوكُ التفاصيل» باعتبارِها مديحًا مجانيًّا للمغرب، ولا باعتبارِها صيحةً من صِيَحِ الاعتزازِ الوطنيِّ التي تُقالُ لأنّ صاحبَها مغربيٌّ فحسب؛ بل تعاملتُ معها باعتبارِها فرضيةً ثقافيةً قابلةً للاختبار.
فإذا كان المغربُ بالفعلِ «بلدَ التفاصيل»، فأينَ تظهرُ هذه التفاصيل؟
وهل هي مجرّدُ زخارفَ متناثرةٍ على جدرانِ البيوتِ، وألوانٍ في الزليجِ، وتوابلَ في الطعام، وخيوطٍ في اللباس؟
أم أنّ الأمرَ أعمقُ من ذلك بكثير؟
هل التفاصيلُ عند المغاربةِ مجرّدُ عنايةٍ بالشكل، أم أنّها طريقةٌ في بناءِ الجمال، وصياغةِ الحياة، وحفظِ الذاكرة، وتكوينِ الذوق، وتوريثِ الحضارة؟
هنا يبدأُ السؤالُ الحقيقيُّ.
وهنا أيضًا يبدأُ مَشْمُومُ الأكاليل.
لَيْسَ كُلُّ جَمَالٍ يُقَاسُ مِنْ عَلَى بُعْدٍ
حين تنظرُ إلى المغربِ من بعيد، قد ترى بلدًا جميلًا.
ولكنّك إذا اقتربتَ منه، تبدأُ في اكتشافِ شيءٍ آخر.
تكتشفُ أنّ الجمالَ المغربيَّ لا يكتفي بأن يظهرَ في الصورةِ الكبرى، بل يصرُّ على أن يسكنَ في الجزئياتِ الصغيرة.
إنّه جمالٌ لا يحبُّ الفراغ.
فالزليجُ ليس مجردَ جدارٍ ملوّن، بل نظامٌ من الهندسةِ والتكرارِ والتناظرِ والدقةِ والصبر.
والجبسُ ليس مجرّدَ مادةٍ تغطي الجدران، بل ذاكرةُ يدٍ بشريةٍ تعرفُ كيف تجعلُ من السطحِ نصًّا بصريًّا.
والخشبُ المنقوشُ ليس قطعةَ أثاثٍ صامتةً، بل أثرُ حرفيٍّ تركَ شيئًا من روحه في المادة.
والنحاسُ ليس معدنًا باردًا، حين يدخلُ البيتَ المغربيَّ، بل يتحوّلُ إلى جزءٍ من المشهدِ والطقسِ والذاكرة.
ثم يأتي الماء.
ففي الرياضِ المغربيةِ لا يكونُ الماءُ مجرّدَ ضرورةٍ للحياة، بل يتحولُ إلى عنصرٍ من عناصرِ الجمال، وإلى قلبٍ صغيرٍ يتوسطُ الفضاءَ، فتجتمعُ حوله الخضرةُ والضوءُ والظلُّ والصوتُ والسكينة.
إنّ المغربيَّ لم يكن يريدُ للبيتِ أن يكونَ مأوى فحسب؛ كان يريدُه أن يكونَ قصيدةً يمكنُ السكنُ فيها.
وهنا بالضبط تبدأُ فلسفةُ التفاصيل.
الزَّلِيجُ… حِينَ تَصِيرُ الذَّرَّةُ حَضَارَةً
تأمّلِ الزليجَ المغربيَّ.
قطعٌ صغيرة.
ألوانٌ متعددة.
أشكالٌ هندسية.
أجزاءٌ قد تبدو، منفردةً، متواضعةَ القيمة.
لكن حين تجتمعُ في نظامٍ محسوب، يتحولُ الصغيرُ إلى كبير، والجزءُ إلى كل، والقطعةُ إلى لوحةٍ.
وهذه، في تقديري، واحدةٌ من أعمقِ صورِ «ملوكيةِ التفاصيل».
فالحضارةُ ليست دائمًا ما يصرخُ من بعيد.
أحيانًا تكونُ الحضارةُ ما لا تراه إلا إذا اقتربتَ.
إنّ المغربَ يقولُ للعينِ، من خلالِ الزليج:
لا تحتقرْ القطعةَ الصغيرة؛ فقد تكونُ هي التي تمنحُ الكلَّ معناه.
ولعلَّ هذه الفكرةَ تتجاوزُ الزليجَ نفسه.
فالمدينةُ المغربيةُ القديمةُ لا تُبنى بالصرخةِ الواحدة، وإنما تتكوّنُ من أبوابٍ وأقواسٍ ونوافذَ ومشربياتٍ وأزقةٍ وأسواقٍ ورياضاتٍ وساحاتٍ وروائحَ وأصواتٍ وألوان.
إنّها منظومةٌ من التفاصيلِ التي تتعاونُ لكي تصنعَ شخصيةَ المكان.
الرِّياضُ… حِينَ يَكُونُ الدَّاخِلُ أَجْمَلَ مِنَ الظَّاهِرِ
ومن أعجبِ ما في العمارةِ المغربيةِ أنّها كثيرًا ما تخبّئُ جمالَها.
قد تمرُّ أمامَ بابٍ يبدو متواضعًا، ثم تدخلُ فإذا بك أمامَ عالمٍ آخر.
وهذه ليست مصادفةً جمالية.
إنّها فلسفةٌ.
فالرياضُ المغربيُّ يعلّمُك أنّ القيمةَ لا تُقاسُ دائمًا بما يراهُ المارّةُ من الخارج.
وراءَ البابِ يمكنُ أن يكونَ هناك ماءٌ، ونباتٌ، وزليجٌ، وجبسٌ منقوش، وخشبٌ مصقول، وضوءٌ يتسلّلُ بقدرٍ محسوب، وسماءٌ صغيرةٌ في قلبِ البيت.
كأنّ العمارةَ المغربيةَ تقولُ لك:
لا تتعجّلْ الحكمَ على الأشياء؛ فبعضُ أجملِ ما فيها لا يظهرُ إلا لمن دخلَ إليها.
وهذه أيضًا من التفاصيلِ التي صنعتْ شخصيةَ المغرب.
المَائِدَةُ المَغْرِبِيَّةُ… حِينَ تَتَحَوَّلُ التَّوَابِلُ إِلَى ذَاكِرَةٍ
ثم تعالَ إلى المطبخِ المغربيِّ.
هنا يصبحُ الحديثُ عن التفاصيلِ أكثرَ إثارة.
فالطعامُ المغربيُّ ليس مجرّدَ سدٍّ للجوع.
إنّه تركيبٌ.
مقاديرُ، وتوقيتٌ، وحرارةٌ، وروائحُ، وتوابلُ، وطرائقُ إعدادٍ، وأوعيةٌ، وتقديمٌ، وذاكرةٌ عائليةٌ، ومناسباتٌ اجتماعيةٌ.
إنّ الفرقَ بين طبقٍ وآخر قد يكونُ في مقدارِ شيءٍ صغير، أو في توقيتِ إضافته، أو في طريقةِ الطبخِ، أو في توازنِ الحلوِ والمالحِ والحامضِ والدسم.
وهنا تصبحُ التفاصيلُ جزءًا من الهوية.
في المائدةِ المغربيةِ لا تجدُ الطعامَ وحدَه.
تجدُ التاريخَ والهجرةَ والتبادلَ والتنوعَ والمناخَ والعاداتِ والذوقَ العائليَّ والذاكرةَ الشعبية.
ولهذا فإنّ الباحثَ الذي يريدُ أن يقرأَ المجتمعَ المغربيَّ لا ينبغي له أن يكتفي بكتبِ التاريخِ وحدها؛ فربما وجدَ بعضَ التاريخِ مختبئًا في مطبخٍ، أو إناءٍ، أو وصفةٍ، أو طريقةِ تقديمِ طبقٍ.
وهنا تعودُ التفاصيلُ لتقولَ كلمتَها.
أَتْقَنَّا حَتَّى طُقُوسَ الضِّيَافَةِ
حتى الضيافةُ المغربيةُ ليست مجرّدَ «أهلًا وسهلًا».
إنّها طقسٌ كامل.
كأسُ الشاي.
طريقةُ صبّه.
ارتفاعُ الإبريق.
حركةُ اليد.
الزمنُ الذي يُمنحُ للضيف.
الجلوسُ.
الحديثُ.
وأحيانًا ماءُ الوردِ الذي يسبقُ الطعامَ أو يرافقُ استقبالَ الضيف.
حتى الرائحةُ تدخلُ في صناعةِ الذاكرة.
وهذا مهمٌّ جدًّا.
لأنّ الحضارةَ لا تُصنعُ فقط بما يُكتبُ في الكتب؛ بل بما يعتادهُ الناسُ في حياتِهم اليومية، ثم ينقلونهُ من جيلٍ إلى جيل.
اللِّبَاسُ… تَفَاصِيلُ الهُوِيَّةِ حِينَ تَلْبَسُهَا
ثم انظرْ إلى اللباسِ المغربي.
الجلبابُ.
القفطانُ.
البلغةُ.
والتفاصيلُ التي تراكمت حولها عبرَ الزمن.
الخيطُ.
التطريزُ.
النسيجُ.
الألوانُ.
القَصّةُ.
طريقةُ ارتداءِ اللباس.
بل حتى المناسبةُ التي يُرتدى فيها.
هنا لا يعودُ اللباسُ قطعةَ قماشٍ فحسب.
إنّه رسالةٌ اجتماعيةٌ وجماليةٌ وثقافية.
إنّه يقولُ شيئًا عن صاحبه، وعن المناسبة، وعن البيئة، وعن الذوق.
ومن هنا أفهمُ عبارةَ «ملوك التفاصيل» بطريقةٍ أوسع.
فالملوكيةُ هنا ليست ملوكيةَ سلطةٍ.
إنّها ملوكيةُ إتقانٍ.
المُوسِيقَى… حِينَ تَخْتَبِئُ الهُوِيَّةُ فِي النَّغْمَةِ
وفي الموسيقى المغربيةِ عالمٌ آخر.
الموسيقى الأندلسية.
الغرناطية.
الملحون.
والأنماطُ الأمازيغيةُ المتعددة.
والألوانُ الشعبيةُ ذاتُ الجذورِ الإفريقيةِ وغيرها.
إنّ المغربَ لم يكن يومًا جزيرةً ثقافيةً مغلقة.
لقد كان، بحكمِ موقعِه وتاريخه، فضاءَ عبورٍ وتفاعلٍ وتلاقح.
لكنّ التفاعلَ لم يعنِ الذوبان.
وهذه نقطةٌ أساسية.
فالحضارةُ المغربيةُ لم تكن مجردَ مستودعٍ لما جاءها من هنا أو هناك؛ بل كانت قادرةً على إعادةِ تشكيلِ ما يصلُ إليها وفقَ ذوقِها وشخصيتِها وبيئتِها.
وهكذا يصبحُ التعددُ مادةً لبناءِ الوحدة، لا سببًا لتفكيكِها.
المَغْرِبُ… لَيْسَ حَاشِيَةً لِأَحَدٍ
ولعلّني هنا أصلُ إلى المنطقةِ التي لا أحبُّ أن أضعَ فيها الكلماتِ على أطرافِ أصابعِها خوفًا من أن تزعجَ أحدًا.
أنا مغربي.
وأحبُّ المغرب.
ولا أرى في الاعتزازِ بالوطنِ جريمةً أدبيةً ولا تهمةً فكرية.
بل إنّني أرى أنَّ من حقِّ الأممِ أن تتحدثَ عن نفسها، وأن ترويَ تاريخَها، وأن تكشفَ جمالَها، وأن تضعَ تجربتَها في المكانِ الذي تراهُ مستحقًّا لها.
لقد عانى المغربُ، مثلُ غيرِه من الأقاليمِ والثقافاتِ، من قراءاتٍ تأتي أحيانًا من خارجِه، فتضعُ له تعريفًا جاهزًا، أو تختصرُه في صورةٍ واحدة، أو تنظرُ إليه من مركزٍ ثقافيٍّ مفترضٍ ثم تطلبُ منه أن يقيسَ نفسَه بمقاييسَ غيرِه.
وأنا أقولُ ببساطة:
دعونا نعرّفُ أنفسَنا بأنفسِنا.
لا لأنّنا أفضلُ من الآخرينِ لمجرّدِ أنّنا مغاربة.
ولكن لأنّنا لسنا أقلَّ من أحد.
وهناك فرقٌ هائلٌ بين الاعتزازِ بالنفسِ وبين احتقارِ الآخر.
أنا لا أحتاجُ إلى إطفاءِ شمعةِ أحدٍ لكي أُشعلَ شمعةَ بلادي.
لكنّني في الوقتِ نفسه لن أقبلَ أن يُطلبَ من شمعةِ المغربِ أن تنطفئَ حتى لا يزعجَ نورُها أحدًا.
«أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ»
وهنا أتذكّرُ قوله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
فالمشكلةُ ليست في أن يحبَّ الإنسانُ وطنَه.
المشكلةُ تبدأُ حين يصبحُ معيارُ الاعتزازِ مسموحًا لفريقٍ وممنوعًا على فريق.
إذا كان من حقِّ الآخرينَ أن يحتفوا بتاريخِهم، وفنونِهم، ومطابخِهم، وعمارتِهم، ولغاتِهم، وعاداتِهم، وأن يقدّموا أنفسَهم بوصفِهم أصحابَ خصوصيةٍ وتميّز؛ فمن حقِّ المغربيِّ كذلك أن يقول:
هذا مغربي، وأنا أعتزُّ به.
بل من حقِّه أن يقولها بصوتٍ مرتفع.
لا تكبّرًا.
بل معرفةً بالذات.
مَمْلَكَةُ التَّفَاصِيلِ
إنّ الذي يجعلني أستعيدُ عبارةَ ذلك المفكرِ المعاصرِ ليس غرابةُ الوصفِ، بل قابليتُه للاختبار.
لقد قال عن شعوبٍ مختلفةٍ أوصافًا شديدةَ التكثيف:
اليابانيونَ… ملوكُ الانضباط.
الإندونيسيونَ… ملوكُ الطيبة.
الصينيونَ… ملوكُ المهارة.
الهنودُ… ملوكُ الفوضى.
الإيرانيونَ… ملوكُ المفاوضات.
القطريونَ… ملوكُ الوساطات.
والمغاربةُ… ملوكُ التفاصيل.
قد يختلفُ القارئُ مع بعضِ هذه التوصيفاتِ أو يتحفّظُ عليها، وهذا حقُّه.
لكنّ ما يعنيني هنا هو ذلك المفتاحُ الذي فتحَ أمامي بابَ السؤال:
ماذا لو كان التفصيلُ فعلًا إحدى أكثرِ السماتِ حضورًا في التجربةِ المغربية؟
عندها لا يعودُ الأمرُ مجرّدَ عبارة.
بل يصبحُ مشروعَ قراءة.
وهذا ما حاولتُ أن أفعله.
نظرتُ إلى البيتِ المغربيِّ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى الزليجِ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى الطعامِ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى اللباسِ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى الموسيقى، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى الضيافةِ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى الحِرَفِ، فوجدتُ التفاصيل.
ونظرتُ إلى المدنِ العتيقةِ، فوجدتُ التفاصيل.
حتى في طريقةِ المغربيِّ في صناعةِ الفضاءِ الاجتماعيِّ، وفي ترتيبِ البيتِ، وفي تقديمِ الشايِ، وفي استقبالِ الضيف، وفي الاحتفاءِ بالمناسبات، تجدُ ذلك الولعَ بما قد يراهُ غيرُه تفصيلًا صغيرًا.
لكنّ المغربَ، في كثيرٍ من وجوهِه، جعلَ من التفاصيلِ نظامًا للجمال.
مَلُوكُ التَّفَاصِيلِ… لَيْسَتْ كَلِمَةَ مَدْحٍ، بَلْ مَشْرُوعَ قِرَاءَةٍ
وهنا أصلُ إلى لبِّ الفكرة.
حين أقولُ:
«المغاربةُ ملوكُ التفاصيل»
فأنا لا أضعُ تاجًا على رأسِ المغربيِّ لمجرّدِ أنّه مغربي.
أنا أضعُ أمامَ التجربةِ المغربيةِ مرآةً وأقول:
انظري إلى نفسكِ!
ماذا صنعتِ عبرَ القرون؟
كيف صارتِ القطعةُ الصغيرةُ في يديكِ جزءًا من لوحةٍ كبيرة؟
كيف استطاعتِ يدُ الصانعِ أن تمنحَ الحجرَ والجبسَ والخشبَ والنحاسَ والقماشَ والطعامَ والماءَ معنى يتجاوزُ المادة؟
كيف استطاعَ هذا البلدُ أن يجمعَ روافدَ متعددةً في نسيجٍ واحد، من دون أن يفقدَ كلُّ خيطٍ خصوصيتَه؟
هنا تصبحُ «ملوكيةُ التفاصيل» وصفًا لطريقةٍ في صناعةِ المعنى.
المَغْرِبُ الَّذِي لَا يَعْتَذِرُ عَنْ جَمَالِهِ
أنا لا أريدُ مغربًا متكبّرًا.
ولا مغربًا يزدري غيرَه.
ولا مغربًا يحتاجُ إلى اختلاقِ الأمجادِ كي يشعرَ بوجودِه.
أريدُ مغربًا يعرفُ نفسَه.
يعرفُ تاريخَه.
يعرفُ تعددَه.
يعرفُ ما أخذهُ من الآخرين.
ويعرفُ أيضًا ما أعطاهُ للآخرين.
مغربًا لا يعيشُ عقدةَ المركزِ ولا عقدةَ الهامش.
فالمغربُ ليس هامشًا لأنّ أحدًا وضعَه يومًا في الهامش.
والغربُ الإسلاميُّ ليس تابعًا ثقافيًا لأنّ بعضَ القراءاتِ اعتادتْ أن تنظرَ إليه من زاويةٍ واحدة.
لقد كان للمغربِ موقعُه، وتجربتُه، وشخصيتُه، وذاكرتُه، وامتداداتُه، وعلاقاتهُ الحضاريةُ، وله حقٌّ كاملٌ في أن يرويَ قصتَه بلغته.
التَّفَاصِيلُ الَّتِي تَحْفَظُ الأُمَمَ مِنَ النِّسْيَانِ
ربما لهذا أحبُّ التفاصيل.
لأنّ التفاصيلَ هي التي تمنعُ التاريخَ من أن يتحولَ إلى عناوينَ باردة.
حين تقولُ:
«هذه مدينةٌ مغربيةٌ قديمة»
فأنتَ تقولُ شيئًا عامًا.
لكن حين تقولُ:
بابٌ خشبيٌّ محفور.
زليجٌ يلتقطُ الضوء.
نافورةٌ صغيرةٌ في وسطِ رياض.
رائحةُ النعناعِ وهي تصعدُ مع بخارِ الشاي.
إناءٌ نحاسيٌّ معلّق.
يدُ حرفيٍّ تقاومُ الزمن.
طبقٌ تتداخلُ فيه نكهاتٌ متعددة.
ثوبٌ يحملُ أثرَ يدٍ أمضت ساعاتٍ في التطريز.
عندها يبدأُ التاريخُ في التنفّس.
وعندها أفهمُ لماذا كانت التفاصيلُ في المغربِ أكثرَ من مجردِ زينة.
كانت ذاكرةً مقاومةً للنسيان.
وَهَكَذَا فَهِمْتُ «مَشْمُومَ الأَكَالِيلِ»
الأكاليلُ ليست فقط ما يُرى.
فبعضُ الأكاليلِ يُشمُّ قبل أن يُرى.
وهكذا هو المغربُ بالنسبةِ إليّ.
ليس بلدًا يُقرأُ بعينٍ واحدة.
بل بلدٌ يُشمُّ أيضًا.
يُتذوّق.
يُلمس.
يُسمع.
يُرى.
ويُعاش.
إنّه بلدٌ تختلطُ فيه رائحةُ الخشبِ بالجلدِ، ورائحةُ الطعامِ بالتوابلِ، وصوتُ النحاسِ بخطواتِ الأسواق، وألوانُ الزليجِ بضوءِ الرياض، وصوتُ الموسيقى بذاكرةِ المكان.
إنّه بلدٌ يمكنُ أن تدخلَه من بابٍ واحد، ثم تكتشفَ أنّ وراءَ البابِ أبوابًا أخرى، ووراءَ كلِّ بابٍ تفصيلًا، ووراءَ كلِّ تفصيلٍ حكاية.
وهكذا يصبحُ العنوانُ نفسهُ سؤالًا وجوابًا في آنٍ واحد:
مَشْمُومُ الأكاليلِ في أنَّ المغاربةَ ملوكُ التفاصيل.
فإذا كان لكلِّ شعبٍ سماتٌ يمكنُ أن تكشفَ شيئًا من شخصيتِه، فلِمَ لا يكونُ التفصيلُ إحدى العلاماتِ الكبرى التي يمكنُ أن نقرأَ من خلالها الشخصيةَ المغربية؟
ولِمَ لا يكونُ المغربُ قد بنى جزءًا كبيرًا من جمالِه على قاعدةٍ بسيطةٍ وعميقة:
أنّ الأشياءَ الكبيرةَ لا تُتقنُ إلا حين تُحترمُ الأشياءُ الصغيرة.
وهنا، أيُّها القارئُ، لا أطلبُ منك أن تُصدّقني.
أطلبُ منك فقط أن تفتحَ عينيكَ.
انظرْ إلى الزليج.
إلى الرياض.
إلى القفطان.
إلى الجلباب.
إلى البلغة.
إلى المطبخ.
إلى الشاي.
إلى الحرفيِّ وهو ينحتُ، وينقشُ، ويطرّزُ، ويصقلُ.
انظرْ إلى المدينةِ المغربيةِ القديمة.
ثم اسألْ نفسك:
أيمكنُ أن تكونَ كلُّ هذه التفاصيلِ مجردَ مصادفة؟
أما أنا، فقد وجدتُ نفسي أمامَ إجابةٍ لا أستطيعُ التخلصَ منها:
لقد يكونُ من حقِّ المغاربةِ، بكلِّ ما في العبارةِ من جرأةٍ أدبيةٍ واعتزازٍ وطنيٍّ، أن يقولوا:
نحنُ ملوكُ التفاصيل.
لا لأننا نملكُ حقَّ التتويجِ على حسابِ الآخرين.
بل لأننا تعلّمنا، عبرَ تاريخٍ طويل، كيف نحولُ التفاصيلَ الصغيرةَ إلى ذاكرة، والذاكرةَ إلى هوية، والهويةَ إلى جمال، والجمالَ إلى حضارة.
وهنا فقط أفهمُ العبارةَ التي استوقفتني ذاتَ يوم.
وهنا أيضًا أقولُها، لا كمن اخترعَها من فراغ، بل كمن اختبرَها في أرضِها:
المغاربةُ ملوكُ التفاصيل.
ولعلَّ أجملَ ما في هذه الملوكيةِ أنّها لا تحتاجُ إلى تاجٍ فوقَ الرأس.
يكفيها أن يكونَ التاجُ في الزليجِ، والخشبِ، والجبسِ، والنحاسِ، والحريرِ، والطعامِ، والموسيقى، والضيافةِ، والبيتِ، والمدينةِ، وفي تلكَ التفاصيلِ الصغيرةِ التي إذا اجتمعتْ صنعتْ شيئًا أكبرَ من مجموعِها:
صنعتْ مغربًا.

محمد عقيل

كاتب في زون نيوز جلوبال

اترك تعليقًا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *