مصر تعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية والسياسية وتفتح أبواب الشراكة مع روسيا والصين

مصر تعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية والسياسية وتفتح أبواب الشراكة مع روسيا والصين
كتب،: أيمن بحر
لم تعد التحركات المصرية على الساحة الدولية مجرد تنويع تقليدى فى العلاقات الخارجية بل بات واضحا أن القاهرة تعمل على بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية التى تمنحها مساحة أكبر من الحركة والاستقلال فى عالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعدد مراكز القوة
وفى هذا السياق يبرز التقارب المصرى مع روسيا والصين باعتباره أحد أهم ملامح إعادة صياغة التوازنات المصرية حيث شهدت العلاقات مع موسكو وبكين خلال الفترة الأخيرة تطورا ملحوظا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية
وتأتى هذه التطورات فى توقيت بالغ الحساسية خاصة مع إعلان الصين أن الرئيس شي جين بينغ سيزور مصر بعد مشاركته فى قمة منظمة شنغهاى للتعاون فى قيرغيزستان وهى الزيارة التي تأتى بعد عشر سنوات من آخر زيارة للرئيس الصينى إلى القاهرة ومن المنتظر أن تتناول تعزيز العلاقات الثنائية إلى جانب الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك
أما على المستوى العسكرى فقد شهدت العلاقات المصرية الصينية تطورا لافتا خلال أغسطس الجاري مع انطلاق التدريب الجوي المشترك نسور الحضارة 2026 بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام وتدريبات عملية ونظرية تهدف إلى رفع مستوى التنسيق وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات العملياتية بين القوات المصرية والصينية
وفى الاتجاه نفسه تواصل مصر تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع روسيا حيث أكدت القاهرة وموسكو خلال اتصال حديث بين وزيري الخارجية حرصهما على تطوير العلاقات الثنائية فى مختلف المجالات كما تواصل تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية
وهنا تكمن أهمية المشهد فمصر لا تبدو وكأنها تستبدل طرفا دوليا بطرف آخر بقدر ما تعمل على توسيع دائرة الشركاء وعدم حصر خياراتها الاستراتيجية في اتجاه واحد
وهذه السياسة تمنح القاهرة قدرة أكبر على المناورة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي خاصة مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتزايد التقارب الروسي الصيني على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية
ومن منظور الأمن القومي فإن تنويع مصادر التسليح والتدريب والتكنولوجيا العسكرية يمكن أن يمثل عاملا مهما في تعزيز القدرة على اتخاذ القرار المستقل وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد للتكنولوجيا أو التسليح
لكن الحديث عن خروج مصر الكامل من العباءة الأمريكية أو انهيار التفوق العسكري الإسرائيلي لمصلحة القاهرة يظل قراءة سياسية تحتاج إلى قدر كبير من الحذر لأن العلاقات المصرية الأمريكية لا تزال قائمة وتشمل ملفات عسكرية واقتصادية واستراتيجية واسعة كما أن التفوق العسكري النوعي لإسرائيل يمثل سياسة أمريكية معلنة تجاه إسرائيل ولا يمكن القول إن مجرد تنويع الشراكات يعني انتهاء هذا التفوق
المؤكد أن القاهرة تتحرك بمنطق مختلف يقوم على تعدد الشركاء وتوسيع الخيارات وبناء علاقات استراتيجية مع قوى دولية متعددة وهو ما يظهر بوضوح في تطور العلاقات المصرية الصينية والمصرية الروسية
فالرسالة المصرية الأهم ليست إعلان الانحياز إلى معسكر ضد آخر وإنما التأكيد على أن القرار المصري يجب أن يظل نابعا من المصالح المصرية أولا وأن القاهرة تريد أن تمتلك أكبر قدر ممكن من البدائل في عالم لم تعد فيه القوة موزعة بين قطب واحد
ومع استمرار التعاون المصري الصيني في المجالات العسكرية والتكنولوجية واستمرار الشراكة المصرية الروسية في المشروعات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية فإن المنطقة أمام مرحلة جديدة قد تصبح فيها القدرة على بناء شبكة علاقات متعددة الأطراف أحد أهم عناصر القوة السياسية
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من هو الحليف الأول لمصر
بل كيف تستطيع مصر أن تحافظ على استقلال قرارها وأن تستفيد من جميع القوى الدولية دون أن تتحول إلى ورقة في يد أي محور
القاهرة تبدو وكأنها اختارت الإجابة بالفعل
مصر تريد أن تتعامل مع الجميع من موقع الدولة صاحبة القرار لا من موقع الدولة التابعة
وهذه هي المعادلة التي قد تعيد رسم جزء مهم من خريطة النفوذ في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة




