آداب وفنونمقالات الرأي

عِشْقٍ غَيْرِ مُنْكَسِرِ

طَارَتْ عُرُوقِي كَسِرْبٍ نَحْوَ مَوْطِنِهِ

طَارَتْ عُرُوقِي كَسِرْبٍ نَحْوَ مَوْطِنِهِ


بقلم :- مهدي الصَّيرفي

طَارَتْ عُرُوقِي كَسِرْبٍ نَحْوَ مَوْطِنِهِ

وَالْوَجْدُ خَفَّاقُ عِشْقٍ غَيْرِ مُنْكَسِرِ

 

حينَ كتبتُ هذا البَيت، لم أكُن أسطّر مجرّد كلماتٍ على وَرق، بل كُنت أُوثّق لحظَة انفلاتِ الرّوح من جَسدي، وتلكَ الهجرَة الأبديَّة التي يقومُ بها النّبض حين يجدُ غايتَه، تسألونني: لمَاذا أُحبّ هذا البيتَ الذي سكبتُه من دمِ قَلبي؟

أحبّه لأنّني مارستُ فيه لذّة التّخفّي والمُراوغَة الشّعوريّة النّبيلة، قد يَقرأ بعضُكم هذا البيت، وَيقف عندَ قَولي “نَحْوَ مَوْطِنِهِ”، فيظنّ للوَهلة الأولى أنّني أكتبُ قصيدةً وطنيّة، وأنّ عروقِي تنبضُ بحبّ الأرضِ والتّراب والحَنين إلى البلاد، هذا الفَهم جميلٌ ومشرِّف، لكنّني في الحَقيقة كنتُ أتغنّى بمَحبوبتي؛ فهي أرضي، ومَلاذي، والوطن الآمن الذي تهَاجر إليه أسراب روحِي كلّما أرهَقني شتاءُ الأيّام، لقد جعلتُ من وجهها وطناً، ومن عِشقي لها انتماءً لا يقبَل الانكسَار، لطَالما آمنتُ أنّ الشّعر أقدم عاصمة للحبّ، تلك العاصِمة التي شُيّدت قبل أن تُعرف الحُدود والخَرائط، والتي يلجَأ إليها العشّاق لتوثيق جنونهم ووجدهم، ولأنّ الشّعر هو عاصمةُ العشّاق التاريخيّة، فهو أشبه بلغةٍ هيروغليفية عميقة ومقدّسة؛ كلّ قصيدة فيها عبارة عن نقشٍ سريّ يحمل معاني كثيرة، وكل فرد يقف أمام هذا النّقش يفكّ رموزه ويشرحه حسب فهمه، وما يمليه عليه وجدانه وتجربته، المغترب سيقرأ بيتي فيرى فيه طيوراً تعود إلى سماء بلاده، والعاشقُ سيراهُ قلباً يطير نحو صدر من يحبّ، أمّا أنا، كاتب هذه الحروف، فأرى فيه نبضتي العاريَة التي تُعلن أنّ الحبّ هو وطني الأوحد، وأنّ محبوبتي هي الوجهة التي لا تنكسر فيها أجنحة الشّوق أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى