صوتٌ يغالب النزوح: المنشد يوسف أبو حميد.. بين حلم الإنشاد و«طحين الدم» في غزة
بقلم: محمد عقيل
التاريخ: 4 نوفمبر 2026

المؤسسة: زون نيوز جلوبال (Zone News Global)
أصغر العنقود.. صدى النغم في حنجرة المنشد
ولد يوسف محمد أبو حميد في السادس من نوفمبر عام 2003، ونشأ بين أحضان عائلة دافئة تفيض بالمحبة، ليكون أصغر إخوته (عنقود البيت الأحب) بين ثلاثة أشقاء وثلاث شقيقات. هذا الموقع الأثير في قلب العائلة منحه شغفاً مبكراً بالأنغام والكلمة الطيبة؛ فانضم لأكثر من خمس سنوات إلى فرق الإنشاد الديني والتراثي في قطاع غزة، حاملاً صوته العذب الدافيء ليغني في المهرجانات والمناسبات، يزرع الأمل في القلوب، ويصوغ بالمديح والتضرع حكايات الصمود.
أحلام مؤجلة تحت قماش الخيمة
كان من المفترض أن يكون يوسف اليوم مقيماً بين قاعات الجامعة، يقلّب صفحات تخصصه الأكاديمي ويستعد لبناء مستقبله كأي شاب في مقتبل العمر. ولكن قسوة الظروف قطعت الطريق نحو مقاعد الدراسة، لتبدّل القاعات الدراسية بخيمة واحدة تجمع يوسف منذ عامين ونصف برفقة والديه وأحد أشقائه، تحت سقفٍ من الصبر والمكابدة، دون أن تفارق الابتسامة والصوت الجميل ثنايا تلك الخيمة.

طريق الطحين: ليلةٌ اختلط فيها الخبز بالدم والظلام
مع اقتراب عيد ميلاده الحادي والعشرين، يذكر يوسف موقفاً فارقاً هز أركان وجدانه؛ موقف اختصر قسوة العيش في القطاع. يروي يوسف أنه خرج عند الساعة الثانية فجراً بحثاً عن كيس طحين يكسر به جوع شهر كامل مرت به عائلته دون أن تذوق طعم الخبز. وفي منتصف الليل، تحول الهدوء فجأة إلى جحيم من الرصاص الكثيف والخطوط الحمراء المضيئة في الظلام.

“شُلّت حركتي وسط الظلام، فرأيت رجلاً ممدداً على التراب، ظننته يحتمي من الرصاص مثلي، فقلت له بصوت يرتجف: ‘خذ لي وسعاً بجانبك’.. ولكن حين لامست جسده، شعرت برطوبة دافئة؛ رفعت كفي لأجدها مغطاة بالدم، وتطلعت في عتمة الليل لأكتشف الكارثة: كان الرجل قد فارق الحياة بلا رأس! تجمد الدم في عروقي وبقيت بجانبه حتى هدأ إطلاق النار، لأصرخ منادياً الطواقم لتشيل جثمانه.. عدت إلى الخيمة بأكياس الطحين، لكنني عدت وأثر دمه ينبض على يدي.”
رحلة الزيارة وعصف الانفجار المفاجئ
لم تكن ليلة الطحين سوى فصلٍ واحد من مشاهِد الموت والمواجهة اليومية مع الخطر؛ إذ يذكر يوسف موقفاً مروعاً آخر تجسدت فيه رعاية الله ولطفه.خرج يوسف متوجهاً إلى المستشفى لزيارة صديقٍ عزيز له أصيب في استهدافٍ سابق، وحين اقترب من محيط المنطقة، كانت هناك إشارات تحذيرية وإخلاء للمباني القريبة لم يكن يعلم عنها شيئاً.
وفجأة وبدون مقدمات، دوت عصوف الموت في المكان؛ إذ تم استهداف أحد المنازل وانفجاره تماماً في الظهر الذي كان يمر خلفه فوراً ودون علمه!اهتزت الأرض من تحته وغطت الدخنة السماء في ثوانٍ معدودة، لتكتب له نجاة جديدة بقدرٍ إلهي يحفظه وسط ركام الموت الذي يلاحق غزة في كل خطوة.

شمعة أمل في عتمة الواقع
في عامه الجديد، لا يطلب يوسف احتفالات ولا هدايا، بل يحمل رجاءً بسيطاً وعميقاً: أن يعود إلى مقاعد دراسته الجامعية، وأن يجتمع مع عائلته تحت سقف بيتٍ آمن، وأن يظل صوته حراً ينشد للحب والسلام والعدالة لغزة وأهلها، متمسكاً بأحلامه رغم الدموع والجراح.



