مقالات الرأي

من بريطانيا إلى 12 دولة غربية هل بدأت مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادى على إسرائيل

من بريطانيا إلى 12 دولة غربية هل بدأت مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادى على إسرائيل

بقلم: أيمن بحر

فى تطور لافت على الساحة الدولية دخل ملف المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والاقتصادية بعدما أعلنت بريطانيا عن إجراءات تستهدف السلع القادمة من المستوطنات غير القانونية دوليا إلى جانب استهداف أفراد وشركات تدعم توسع النشاط الاستيطانى
والأهم أن الخطوة البريطانية لم تبق منفردة فقد أعلنت كندا وفرنسا ودول أوروبية أخرى التحرك في الاتجاه نفسه ليصدر في الثامن من سبتمبر بيان مشترك ضم 12 دولة هي بريطانيا وكندا وفرنسا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد
الدول الموقعة أعلنت نيتها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي كما رحبت بالإجراءات التي سبق أن اتخذتها دول أخرى بينها أيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا
وهنا تكمن أهمية المشهد
الموضوع لم يعد مجرد خلاف سياسي بين حكومة إسرائيل وعدد من الحكومات الأوروبية بل تحول إلى محاولة لبناء جبهة اقتصادية غربية تضغط على النشاط الاستيطاني تحديدا مع تصاعد المخاوف من مشروع إي وان الاستيطاني الذي تعتبره هذه الدول تهديدا مباشرا لإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة
بريطانيا ذهبت إلى أبعد من مجرد التحذير السياسي إذ أعلنت عن صلاحيات جديدة تستهدف السلع والخدمات المرتبطة بالمستوطنات كما تستهدف الأفراد والشركات التي تدعم أو تسهل أو تحقق أرباحا من النشاط الاستيطاني
لكن هل نحن أمام حصار اقتصادي شامل لإسرائيل
الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة
الإجراءات الحالية تركز أساسا على المستوطنات والأنشطة المرتبطة بها وليس على التجارة مع إسرائيل ككل ولذلك فإن وصفها بأنها حصار اقتصادي شامل على الدولة الإسرائيلية قد يكون مبالغا فيه
كما أن التأثير التجاري المباشر لهذه الإجراءات محدود نسبيا بسبب صغر حجم تجارة المستوطنات مقارنة بحجم الاقتصاد الإسرائيلي ولذلك فإن القيمة الأكبر لهذه الخطوة سياسية ودبلوماسية واستراتيجية أكثر من كونها ضربة اقتصادية ساحقة في الوقت الحالي
لكن الرسالة السياسية تبدو شديدة الوضوح
الدول الغربية تقول إن استمرار التوسع الاستيطاني والعنف في الضفة الغربية أصبح يهدد بصورة مباشرة حل الدولتين وإن المجتمع الدولي لن يكتفي بعد الآن بالبيانات والإدانات
أما إسرائيل فقد ردت بسرعة واتخذت إجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وهو ما يعكس حجم الغضب الإسرائيلي من التحول البريطاني الجديد
واللافت أيضا أن واشنطن لم تتحرك لإيقاف الخطوة البريطانية بحسب ما كشفته تقارير أمريكية
فقد ذكرت أكسيوس أن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالخطوة قبل إعلانها وأن الإدارة الأمريكية لم تطلب من لندن التراجع عنها أو تأجيلها كما أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لم يوجه إدانة مباشرة للإجراءات البريطانية والأوروبية
وهنا تظهر نقطة شديدة الحساسية
الولايات المتحدة لم تعلن انضمامها إلى العقوبات ولم تتحول إلى طرف معاد لإسرائيل لكنها في الوقت نفسه لم تستخدم ثقلها السياسي لمنع التحرك الغربي الجديد
أما السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي فقد انتقد الخطوة البريطانية بشدة إلا أن التقارير الأمريكية أشارت إلى أن البيت الأبيض نأى بنفسه عن تصريحاته وأكد أن موقفه لم يكن منسقا مع الإدارة أو وزارة الخارجية
وهذا يفتح الباب أمام قراءة أوسع
ربما لا يكون الغرب قد اتخذ قرارا بمعاقبة إسرائيل كدولة بقدر ما بدأ يرسم حدودا جديدة لما يمكن أن تقبله العواصم الغربية في ملف الاستيطان والضم وتغيير الواقع على الأرض
فالرسالة تقول إن دعم أمن إسرائيل شيء ودعم مشاريع استيطانية تهدد قيام دولة فلسطينية شيء آخر
أما السؤال عن كيفية التحايل على العقوبات فهو أكثر تعقيدا
فالقيود يمكن أن تواجه تحديات مرتبطة بتحديد مصدر المنتجات وسلاسل التوريد وإعادة تصدير السلع وعمليات الشركات التي تعمل داخل إسرائيل وخارج المستوطنات ولذلك فإن نجاح الإجراءات سيعتمد بدرجة كبيرة على آليات التتبع والرقابة الجمركية والشفافية التجارية وليس فقط على صدور قرارات سياسية
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الصورة بصورة غير مباشرة
فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة أساسية في تحليل سلاسل الإمداد وتتبع حركة السلع وربط الشركات والكيانات والمناطق الجغرافية وتحليل البيانات الجمركية والمالية
وبالتالي فإن أي محاولة حقيقية لمنع الالتفاف على العقوبات مستقبلا قد تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لكشف العلاقات بين الشركات والموردين ومواقع الإنتاج ومسارات الشحن
أما الحديث عن تركيا وأذربيجان باعتبارهما قد تكونان بوابة محتملة للتعامل مع الضغوط الغربية فيحتاج إلى التمييز بين الاحتمال السياسي والواقع المؤكد
فلا توجد في المعطيات المتاحة حاليا أدلة كافية للقول إن أنقرة أو باكو دخلتا في مشروع منظم لمساعدة إسرائيل على تجاوز هذه الإجراءات
لكن وجود علاقات تجارية واقتصادية إقليمية وتشابك في طرق النقل وسلاسل الإمداد يجعل المنطقة بأكملها أمام اختبار جديد إذا توسعت القيود الدولية وأصبحت مراقبة منشأ السلع أكثر صرامة
ويبقى السؤال الأهم
لماذا الآن
البيان الغربي نفسه يقدم الإجابة الأساسية
هذه الدول تقول إن الوضع في الضفة الغربية يتدهور بسرعة وإن توسع المستوطنات والعنف المتصاعد يهددان إمكانية إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل كما خصت بالذكر مشروع إي وان باعتباره خطوة قد تضر بصورة خطيرة بالحل القائم على دولتين
وبالتالي فإن ما يحدث ليس مجرد عقوبة تجارية
إنه محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين
فالغرب الذي ظل لسنوات يوازن بين دعم إسرائيل والضغط عليها يبدو اليوم أكثر استعدادا لاستخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية ضد سياسات محددة للحكومة الإسرائيلية
والأخطر بالنسبة لإسرائيل ليس قيمة السلع التي ستتوقف عن دخول هذه الأسواق
بل احتمال تحول هذه الخطوة إلى نموذج
دولة تبدأ بحظر منتجات المستوطنات ثم تلحق بها دول أخرى ثم تتحول الإجراءات إلى قيود على الشركات والاستثمارات والخدمات ثم تتوسع دائرة الضغط السياسي والدبلوماسي
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع إسرائيل تجاوز العقوبات
بل هل تستطيع منع تحول العقوبات المحدودة إلى مسار دولي متدرج يعيد تعريف طبيعة العلاقة بين إسرائيل والغرب
المشهد ما زال في بدايته
لكن الواضح أن شيئا تغير
فالمستوطنات التي كانت لسنوات طويلة ملفا سياسيا ودبلوماسيا أصبحت الآن ملفا اقتصاديا أيضا
وعندما تدخل التجارة والمال والشركات وسلاسل الإمداد إلى دائرة الصراع فإن قواعد اللعبة تصبح أكثر تعقيدا
وقد تكون الأيام المقبلة كاشفة لما إذا كان التحرك الغربي مجرد رسالة سياسية قوية أم بداية لمسار طويل من الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على الحكومة الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى