شى جين بينغ رجل الصين القوى ومهندس مشروع النهضة الصينية

شى جين بينغ رجل الصين القوى ومهندس مشروع النهضة الصينية
بقلم :أيمن بحر
فى تاريخ الأمم هناك قادة يتجاوز تأثيرهم حدود المنصب ليصبحوا جزءا من مرحلة تاريخية كاملة وفى مقدمة هؤلاء يأتى الرئيس الصينى شى جين بينغ الذى استطاع خلال سنوات قيادته أن يرسخ رؤية سياسية واقتصادية واستراتيجية تسعى إلى تحويل الصين من قوة اقتصادية كبرى إلى دولة تمتلك أدوات متكاملة للمنافسة على قمة النظام الدولي
ولم تكن شخصية شى جين بينغ وليدة القصور السياسية أو المناصب الرفيعة بل تشكلت فى ظروف صعبة فقد ولد في يونيو عام 1953 لوالده شى تشونغ شون أحد القيادات البارزة في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني ثم تعرضت الأسرة لمحن سياسية خلال فترة الثورة الثقافية الأمر الذي ترك أثرا عميقا في شخصية الابن وشكل نظرته إلى الدولة والسلطة والعمل والانضباط
وفي سنوات شبابه انتقل شي جين بينغ إلى الريف الصيني حيث عاش لسنوات في ظروف قاسية وشارك في الأعمال الزراعية وأعمال حفر الآبار ونقل الحبوب وغيرها من الأعمال الشاقة وقد أصبحت تلك التجربة واحدة من أهم المحطات التي ساهمت في تكوين شخصيته السياسية ومنحته قدرة على التعامل مع الأزمات والصبر الطويل والعمل المتواصل
ومن هذه البيئة خرج شي جين بينغ بفكرة أساسية تقوم على أن قوة الدولة لا تبنى بالشعارات وإنما بالعمل والتنمية والانضباط والاستثمار في الإنسان والاقتصاد والتكنولوجيا وهو النهج الذي ظهر بصورة واضحة عندما وصل إلى قمة الهرم السياسي في الصين
في نوفمبر عام 2012 تولى شي جين بينغ منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ثم أصبح رئيسا للصين في مارس عام 2013 ومنذ ذلك الوقت دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتركيز أكبر للسلطة حول القيادة المركزية وبطرح رؤية سياسية تحمل عنوان الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد
وتقوم هذه الرؤية على ما يعرف بالحلم الصيني والنهضة العظمى للأمة الصينية وهي رؤية تستهدف تعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للصين واستعادة مكانتها كقوة عالمية مؤثرة وصولا إلى هدف مهم يتمثل في تحقيق النهضة العظمى بحلول عام 2049 بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية
وفي عهد شي جين بينغ أصبحت مبادرة الحزام والطريق واحدة من أبرز أدوات التحرك الصيني خارجيا وهي مبادرة ضخمة تستهدف تعزيز شبكات البنية الأساسية والتجارة والاستثمار وربط الصين بمناطق واسعة في آسيا وأوروبا وأفريقيا بما يعزز حضور بكين الاقتصادي والاستراتيجي حول العالم
كما عملت الصين على تطوير قدراتها في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة ضمن خطط تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتحويل البلاد من مركز عالمي للإنتاج منخفض التكلفة إلى قوة تنافسية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة
وكان ملف مكافحة الفساد أحد أبرز الملفات في عهد شي جين بينغ حيث أطلقت القيادة الصينية حملة واسعة ضد الفساد داخل الحزب والدولة والجيش وطالت مسؤولين كبارا وصغارا وأصبحت الحملة جزءا من مشروع إعادة ضبط مؤسسات الدولة وترسيخ الانضباط داخل الحزب بينما يرى منتقدون لها أنها ساهمت أيضا في تعزيز نفوذ القيادة المركزية وإضعاف بعض مراكز القوة المنافسة
وفي عام 2018 ألغت الصين القيد الدستوري الذي كان يحدد مدة بقاء الرئيس في المنصب بفترتين رئاسيتين وهو ما فتح الطريق أمام استمرار شي جين بينغ في قيادة البلاد لفترة أطول ورسخ موقعه باعتباره أقوى زعيم صيني منذ ماو تسي تونغ وفقا لكثير من التحليلات السياسية
لكن قوة الصين المتزايدة لم تمر دون صدام مع الولايات المتحدة حيث أصبحت المنافسة بين واشنطن وبكين واحدة من أهم ملامح النظام الدولي الجديد وتشمل المنافسة التجارة والتكنولوجيا وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي والنفوذ العسكري والسياسي في مناطق متعددة من العالم
وتتعامل بكين مع هذه المنافسة بمنهج طويل المدى يقوم على بناء القدرات الداخلية وتعزيز الشراكات الدولية وتوسيع الأسواق والاستثمار في التكنولوجيا والبنية الأساسية بينما تعتمد الولايات المتحدة على أدوات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية لمحاولة الحفاظ على تفوقها ومنع الصين من التحول إلى القوة المهيمنة على النظام الدولي
وهنا تكمن خصوصية تجربة شي جين بينغ فهو لا ينظر إلى صعود الصين باعتباره سباقا قصيرا وإنما باعتباره مشروعا تاريخيا يحتاج إلى عقود من العمل والتخطيط والصبر ولذلك أصبحت الصين في عهده تتحرك وفق رؤية طويلة المدى تتجاوز الحسابات السياسية قصيرة الأجل
ورغم التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني من تباطؤ النمو وأزمة القطاع العقاري والضغوط التجارية والتكنولوجية فإن الصين لا تزال تمتلك قاعدة صناعية هائلة وقدرات تكنولوجية متقدمة وقوة عسكرية متنامية وسوقا داخلية ضخمة ونفوذا اقتصاديا واسعا يجعلها واحدة من أهم القوى التي تعيد تشكيل موازين العالم
ويبقى السؤال الأهم هل يستطيع شي جين بينغ الوصول بالصين إلى النهضة العظمى التي يتحدث عنها قبل حلول عام 2049
الإجابة لن تكون سهلة لأن الطريق مليء بالتحديات الداخلية والخارجية لكن المؤكد أن الصين في عهد شي جين بينغ لم تعد هي الصين التي عرفها العالم قبل عقود فقد أصبحت دولة أكثر ثقة بنفسها وأكثر حضورا في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية وأكثر استعدادا للدخول في منافسة طويلة مع القوى الكبرى
وفي النهاية فإن شي جين بينغ يمثل نموذجا مختلفا للقيادة السياسية فهو قائد ينطلق من رؤية طويلة المدى ويضع بناء القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية في قلب مشروعه للدولة وبينما تتغير الحكومات والتحالفات حول العالم تواصل بكين السير وفق تصور يمتد لعقود وهو ما يجعل تجربة شي جين بينغ والصعود الصيني واحدة من أهم قصص التحول السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين



