سياسة

ادرس عدوك 6

الخلافات الفلسطينية.. الفلسطينية

ادرس عدوك 6
بقلم خالد البنا
ما سبب عدم قيام الدولة الفلسطينية
الخلافات الفلسطينية .. الفلسطينية
هذا موضوع تحليلي تاريخي، وتوجد بالفعل مدرسة كاملة من الباحثين العرب والفلسطينيين ترى أن الانقسام الفلسطيني الداخلي كان أحد أهم العوامل التي أضعفت المشروع الوطني الفلسطيني. لكن من الناحية الأكاديمية لا يمكن اعتباره العامل الوحيد، بل أحد عدة عوامل متداخلة.

الانقسام الفلسطيني حين تصبح الوحدة الوطنية جزءًا من المعركة

من السهل أن نلقي اللوم كله على الخصم، ومن السهل أيضًا أن نبرئ أنفسنا من الأخطاء. لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تضيع فقط بسبب قوة أعدائها، بل قد تضيع أحيانًا بسبب خلافاتها الداخلية.
وهنا يبرز السؤال المؤلم هل كان الانقسام الفلسطيني أحد الأسباب الرئيسية التي أخرت قيام الدولة الفلسطينية
عندما ننظر إلى التجربة المصرية بعد هزيمة يونيو 1967 نجد أن مصر خرجت من الحرب وهي مكسورة عسكريًا ومحتلة الأرض. ومع ذلك احتفظت بعنصر بالغ الأهمية

وحدة القرار السياسي والعسكري.

كان هناك جيش واحد يقاتل، ودولة واحدة تتحدث، وقيادة واحدة تتفاوض. وحين جاء وقت الحرب خاض الجيش المصري المعركة تحت قيادة موحدة. وحين جاء وقت التفاوض كان هناك طرف مصري واحد يتحدث باسم الدولة المصرية.
أما الحالة الفلسطينية فقد سارت في اتجاه مختلف.
فبعد إنشاء السلطة الفلسطينية برئاسة حركة فتح، ثم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، دخل النظام السياسي الفلسطيني في أزمة عميقة انتهت بالمواجهة المسلحة عام 2007، ثم بسيطرة حماس على قطاع غزة، وبقاء السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية.
ومنذ ذلك الوقت أصبح العالم يتعامل عمليًا مع سلطتين فلسطينيتين منفصلتين
1.سلطة في غزة.
2.وسلطة في الضفة الغربية.
لكل منهما أجهزتها الأمنية ومؤسساتها ورؤيتها السياسية المختلفة.
وأصبح الفلسطيني الذي يتحدث باسم التسوية السياسية ليس هو الفلسطيني الذي يتحدث باسم المقاومة المسلحة.
وهنا ظهرت مشكلة جوهرية.
فإذا وقعت السلطة الفلسطينية اتفاقًا سياسيًا، تعترض عليه حماس.
وإذا اتخذت حماس قرارًا عسكريًا، قد لا تكون السلطة الفلسطينية شريكة فيه.
وبذلك فقد المشروع الوطني الفلسطيني أحد أهم عناصر القوة في حركات التحرر عبر التاريخ

وحدة القيادة.
وهذا نجده متجسدا واضحا في المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي
فكان الشعب الجزائري متوحد حول المقاومة الجزائرية فكانت مقاومة واحدة يتحدث باسمها قائد واحد
وأيضا عندما تم جلاء الإنجليز عن مصر كان يتفاوض معهم شخص واحد وهو الزعيم جمال عبدالناصر
ولذلك رحلت فرنسا عن الجزائر ورحلت انجلترا عن مصر

ولذلك فإن التاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن الحركات الوطنية التي تنقسم على نفسها تصبح أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
فالخصم يجد أمامه أكثر من عنوان سياسي.
والعالم الخارجي لا يعرف أحيانًا من يمثل القضية تمثيلًا نهائيًا.
ويصبح الاتفاق مع طرف واحد غير كافٍ لحل النزاع كله.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الانقسام الفلسطيني لم ينشأ من فراغ.
فخلفه خلافات حقيقية حول قضايا جوهرية
1.هل تكون الأولوية للمقاومة المسلحة أم للتفاوض
2.هل تُقبل التسويات المرحلية أم لا
3.ما شكل الدولة الفلسطينية المطلوبة
4.وما حدود التنازل المقبول سياسيًا
هذه الخلافات لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت أيضًا صراعًا على الرؤية والاستراتيجية.
ومن هنا جاءت خطورة الأزمة.
أما المقارنة مع لبنان فتوضح فكرة أخرى.
ففي لبنان توجد الدولة الرسمية ممثلة في الجيش والحكومة، وفي الوقت نفسه يمتلك حزب الله قوة عسكرية مستقلة كبيرة. وقد أدى ذلك لعقود إلى جدل داخلي حول احتكار الدولة للسلاح وحول العلاقة بين المقاومة والدولة.
ومع ذلك تبقى هناك فروق مهمة بين الحالتين الفلسطينية واللبنانية، لأن ظروف الاحتلال والنظام السياسي والتركيبة الاجتماعية مختلفة في كل حالة.
ويبقى الدرس الأهم أن قضايا التحرر الوطني تحتاج غالبًا إلى قدر كبير من التوافق الداخلي.
فالتاريخ لا يجيب عن سؤال من كان أكثر إخلاصًا للقضية، لكنه يسجل بوضوح أن الانقسامات الطويلة كثيرًا ما تقلل من قدرة الشعوب على تحويل التضحيات إلى نتائج سياسية ملموسة.
ولعل المأساة الفلسطينية الكبرى لا تكمن فقط في قوة الخصم، بل في أن الشعب الفلسطيني وجد نفسه في أوقات كثيرة يقاتل على أكثر من جبهة
1.جبهة مع الاحتلال
2. وجبهة مع الانقسام
3.وجبهة مع تعقيدات الإقليم والعالم.
وهكذا ظل حلم الدولة الفلسطينية قائمًا، لكنه ظل أيضًا أسير توازنات داخلية وخارجية جعلت طريقه أطول وأصعب مما كان يأمل أصحابه.
هذا الطرح يمثل رأيًا تحليليًا شائعًا لدى بعض الباحثين، لكن تجدر الإشارة إلى أن باحثين آخرين يرون أن استمرار الاحتلال، والاستيطان، والتوازنات الإقليمية والدولية كانت عوامل لا تقل أهمية عن الانقسام الفلسطيني في تفسير تعثر قيام الدولة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى