في زمن النار… لماذا تحتاج منطقتنا إلى جبهة تضامن لا ساحات انقسام؟
في زمن النار… لماذا تحتاج منطقتنا إلى جبهة تضامن لا ساحات انقسام؟

تحليل صحفي
بقلم: محمود فوزي فرج – كاتب ومحرر صحفي
أمس لم يكن يومًا عاديًا في تاريخ الإقليم. الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وامتداد التوتر إلى دول الخليج، أعادت رسم خريطة القلق في الشرق الأوسط. لم تعد المواجهة خبرًا عاجلًا عابرًا، بل واقعًا يفرض على العواصم العربية والخليجية والإفريقية سؤالًا مصيريًا: كيف نمنع النار من التحول إلى حريق شامل؟
المشهد معقّد، لكنه يكشف حقيقة واضحة: أي انقسام داخلي في هذه اللحظة سيضاعف الكلفة على الجميع. فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل تُخاض أيضًا عبر الشائعات، والتحريض، وضرب الثقة بين الشعوب، ومحاولات بث الفتنة الطائفية والسياسية لإضعاف الجبهة الداخلية.
وحدة المصير قبل وحدة الموقف:
دول الخليج، بحكم الجغرافيا وممرات الطاقة، تقف في قلب العاصفة. وأي استهداف لمنشآت النفط أو الموانئ لن ينعكس فقط على اقتصادياتها، بل على الأمن الاقتصادي العربي والإفريقي بأسره، ومصر، بثقلها السياسي وموقعها الاستراتيجي، تدرك أن استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، أما الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فهي تدرك أن أي اضطراب في الممرات البحرية سيصيب تجارتها واستقرارها في العمق.
نحن أمام لحظة تتطلب وعيًا بأن المصير مترابط، وأن أمن دولة واحدة لا ينفصل عن أمن جيرانها.
أخطر ما في الحروب… الانقسام الداخلي:
التاريخ يعلمنا أن الحروب الإقليمية كثيرًا ما تستثمر في إشعال صراعات جانبية بين الشعوب، لتفتيت الصفوف وتشتيت الأولويات، حين تنشغل الدول بخلافاتها البينية، يصبح من السهل تمرير مشاريع أكبر تعيد تشكيل المنطقة دون مقاومة حقيقية.
لهذا،
فإن المرحلة الحالية لا تحتمل خطابًا تحريضيًا أو اصطفافات عاطفية غير محسوبة، تحتاج إلى حكمة سياسية، وتنسيق أمني، ورسائل إعلامية مسؤولة تُغلّب لغة التهدئة على نبرة التعبئة.
التضامن ليس شعارًا… بل آلية عمل:
التضامن المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات دعم، بل تحرك عملي عبر:
- تنسيق أمني واستخباراتي لحماية المنشآت الحيوية.
- تعاون اقتصادي لتفادي صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد.
- تواصل سياسي دائم لمنع سوء الفهم والتصعيد غير المقصود.
- خطاب إعلامي موحد يرفض الكراهية والتحريض الطائفي.
ففي زمن الأزمات، تكون الجبهة الداخلية أقوى من أي منظومة دفاع جوي.
اليقظة واجب المرحلة:
الفتنة لا تبدأ دائمًا بقذيفة، بل أحيانًا بمنشور كاذب، أو خطاب كراهية، أو دعوة للانقسام.
ومن هنا تأتي المسؤولية الجماعية: أن ننتبه لما يُبث، وأن نتحقق مما يُتداول، وأن نرفض أي محاولة لزرع الشقاق بين العرب أو بين العرب وأشقائهم في إفريقيا.
الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول، والوحدة السياسية هي الدرع الحامي من الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
بين الحرب والسلام… خيار العقل:
المنطقة تقف اليوم أمام خيارين: إما أن تُستدرج إلى دوامة استنزاف طويلة،
أو أن تُعيد ترتيب صفوفها وتفرض منطق التهدئة عبر تماسكها الداخلي.
التاريخ لن يرحم من يفرّط في وحدته وقت الشدّة، والمرحلة الراهنة تتطلب من العرب والخليجيين والأفارقة أن يتعاملوا مع الأزمة باعتبارها اختبارًا للتماسك لا فرصة للانقسام.



