الأسرة والمجتمع

رمضان بين الأمس واليوم في الإسكندرية

رمضان بين الأمس واليوم في الإسكندرية

تحليل صحفي
بقلم: محمود فوزي فرج – كاتب ومحرر صحفي 
مع اقتراب شهر رمضان المبارك 1447 هـ / 2026 م في الإسكندرية، تتجدد الطقوس والمشاعر الدينية والاجتماعية في أحياء المدينة الساحلية. لكن إذا تذكرنا “رمضان زمان” مقارنة بما يحدث خلال هذا اليوم، فإن الفوارق تعكس تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، إلى جانب استمرار الروح الدينية في شكل جديد يتأقلم مع متغيرات العصر.
في الماضي القريب، كان رمضان في الإسكندرية وغيرها من مدن مصر يحمل نكهة خاصة تعكس تماسك المجتمع وروابط الجيران والعائلات ،كان الجميع – كباراً وصغاراً – ينتظرون إعلان رؤية الهلال في الساحات وعلى الأسطح، وتعلّق الفوانيس وتزين الشوارع والمنازل، مما كان يُشعل فرحة جماعية مع بداية الشهر، وتردّد الأطفال أغاني الفانوس في كل حي ، و كان المسحراتي يرنّ نداءه في الشوارع قبيل الفجر لإيقاظ الصائمين للسحور، بينما كان صوت مدفع الإفطار يُعلن بطرقه نهاية الصيام عند الغروب، وهذه الطقوس كانت تُثري الإحساس بالقيمة الروحية للشهر.
الإفطار كان مناسبة يومية للقاء العائلة والأصدقاء حول مائدة واحدة في المنازل، وتمتد الزيارات لساعات ما بعد صلاة التراويح، مع اختلاف بين الأحياء في العادات لكن الكل يشعر بقيمة اللقاء والتواصل.
الأسواق الرمضانية كانت تزدان بالفوانيس والحلويات، وأطباق الكنافة و القطايف تُصنع أمام الزبائن، بينما كانت الأكلات المحلية تتناقل بين منازل الجيران والمحال الصغيرة، وكانت هذه المظاهر جزءًا من ذاكرة جماعية غنية تُحكى للأجيال عن “نَكهة رمضان” التي جمعت بين العبادة والاحتفال البسيط والعلاقات الإنسانية، ومع تحديات العصر ودخول رمضان هذا العام 2026 في الإسكندرية، بدأت استعدادات المدينة تأخذ طابعًا مختلفًا يعكس واقعًا معيشياً متغيراً.
فقد أعلنت محافظة الاسكندرية تنفيذ خطة واسعة تشبه “خريطة رمضان”، تشتمل على 427 معرضًا ومنفذًا ثابتًا ومتحركًا لبيع السلع الأساسية بأسعار مخفضة بين 20% و30%، موزعة على الأحياء بكثافة لضمان وصول الإمدادات وتقليل الضغط على الأسواق التقليدية، ويضاف إلى ذلك معارض سوق اليوم الواحد التي تعمل على مدار 84 يومًا، في محاولة لتعويض الفوارق بين العرض والطلب في ظل ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية، وهو أمر لم يكن حاضرًا بقوة في أجواء رمضان قبل عقود.  
لكن ما زالت بعض مظاهر العمل الخيري مستمرة كما في تقاليد موائد الرحمن في مصر، وهي طاولة جماعية لإفطار الفقراء والمحتاجين، لكن هذه المبادرات أصبحت أكثر تنظيمًا وتنسيقًا مع منظمات المجتمع المدني، بدلًا من كونها عفوياً كما في الماضي، كما أن الديناميكية الاجتماعية تغيرت؛ ففي الوقت الذي يعزز فيه البعض الروابط الأسرية بعد الإفطار، يشتكي آخرون من تراجع اللقاءات العائلية الموحدة بسبب ضغوط الحياة والعمل والتكنولوجيا الحديثة، مما يجعل الأجواء الجماعية أقل مما كانت عليه في الماضي.
ولكن يبقى الإفطار على الكورنيش عند غروب الشمس تجربة رمضانية مميزة للكثيرين، تجمع بين الطبيعة واللمة الأسرية أو الرفاق، لكنها ليست ظاهرة اجتماعية شاملة كما كانت اللقاءات الجماعية في الحارات والمنازل القديمة، ومع الارتفاع العام في أسعار المعيشة، أصبح التركيز الأكبر في رمضان الحالي منصبًا على التوفير، بدلًا من البذخ الرمضاني الذي اعتاد عليه البعض في السنوات السابقة، وهو انعكاس مباشر للوضع الاقتصادي العام.
بين الماضي والحاضر — قراءة تحليلية
إذا كان رمضان زمان يُشكل فسحة زمنية للعائلة والمجتمع ككل، ببطء الحياة اليومي وروحانيته الجماعية والطقوس التقليدية، فإن رمضان 2026 في الإسكندرية يعيش في ظل تناغم بين العبادة والاقتصاد والسياسات التنظيمية. هذا لا يعني فقدان الروح الرمضانية، لكنه يشير إلى تطور تجربة الاحتفال بالشهر الكريم من احتفالات عفوية في الحارات إلى خطط مؤسسية لضبط الأسواق، ومن لقاءات الأسر الممتدة إلى زيارات أكثر حذرًا وتنظيمًا بسبب ضغوط العمل وحسابات التكلفة، ومن أسواق رمضان التقليدية المليئة بالفوانيس والحلوى إلى معارض مخفضة تركز على الأساسيات.  
تبقى روحانية رمضان في جوهرها ثابتة – الصيام، والابتهال، والترابط الاجتماعي و لكن أشكال الاحتفاء به تتغير بتغير الظروف، وقدرتها على توظيف قيم الشهر في إطار حديث يعكس واقع الإسكندرية والمصريين في عام 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى