مقالات الرأي

حين يكون المجنون اعقل من العابد

بقلم: حسين أبوالمجد حسن
كاتب وباحث في الشؤون السياسية والتاريخية
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
حوار يهزّ القلوب… ويعيد تعريف الخوف من الله
في زاويةٍ من زوايا العُبّاد، كان رجلٌ قد اعتزل الدنيا، يناجي ربَّه ودموعه تنهمر كالسيل، يرتجف خوفًا، ويهمس بانكسار:
“ربي لا تدخلني النار، فارحمني وأرفق بي،
يا رحيم يا رحمن لا تعذبني بالنار،
إني ضعيف فلا قوة لي على تحمل النار،
فارحمني وجلدي رقيق لا يحتمل حرَّها،
وعظمي دقيق لا يقوى على شدّتها…”
وبينما كان العابد غارقًا في بكائه، مرّ به رجلٌ يُشار إليه بالبَنان: مجنون.
لكن المجنون… ضحك.
ضحك بصوتٍ عالٍ اخترق سكون العبادة.
فالتفت إليه العابد، وقد بدت الدهشة على وجهه، وقال بنبرةٍ حازمة:
— ماذا يضحكك أيها المجنون؟
قال المجنون ببساطةٍ أربكت العابد:
— كلامك أضحكني.
— وأيُّ شيءٍ فيه يضحكك؟
— لأنك تبكي خوفًا من النار.
قال العابد:
— وأنت… ألا تخاف من النار؟
أجابه المجنون دون تردد:
— لا… لا أخاف من النار.
فضحك العابد وقال ساخرًا:
— حقًا… أنت مجنون.
لكن المجنون اقترب، وحدّق في عينيه وقال:
— كيف تخاف من النار، وعندك ربٌّ رحيم، رحمته وسعت كل شيء؟
تنهد العابد وقال:
— لي ذنوب… ولو حاسبني الله بعدله لأدخلني النار،
أنا أبكي كي يرحمني،
كي يعاملني بفضله لا بعدله.
وهنا… ضحك المجنون،
ضحك أعلى من ذي قبل.
انزعج العابد وقال:
— ما الذي يضحكك الآن؟
قال المجنون بهدوءٍ مرعب:
— عندك ربٌّ عادل لا يَظلم، وتخاف عدله؟
وعندك ربٌّ غفور رحيم توّاب، وتخاف ناره؟
قال العابد:
— ألا تخاف من الله أيها المجنون؟
أجاب المجنون وقد تغيّر صوته:
— بلى… أخاف الله،
لكن خوفي ليس من ناره.
تعجب العابد وقال:
— إذًا… ممَّ تخاف؟
قال المجنون، وهنا سكتت الدنيا:
— أخاف من الوقوف بين يدي ربي،
وسؤاله لي:
«لماذا يا عبدي عصيتني؟»
ثم أردف والدمع في عينيه:
— عذاب النار أهون عندي من هذا السؤال،
لأني لا أستطيع أن أنظر إليه بعينٍ خائنة،
وأجيبه بلسانٍ كاذب.
— إن كان دخولي النار يرضي حبيبي… فلا بأس.
وقف العابد مذهولًا…
بينما قال المجنون قبل أن يرحل:
— سأقول لك سرًا… فلا تُذِعه.
قال العابد:
— ما هو أيها المجنون العاقل؟
قال المجنون:
— ربي لن يدخلني النار.
— ولماذا؟
— لأني عبدته حبًّا وشوقًا،
وأنت عبدته خوفًا وطمعًا.
ثم قال كلمته الأخيرة التي هزّت القلوب:
— ظنّي بربي أفضل من ظنّك،
ورجائي فيه أعظم من رجائك.
— موسى عليه السلام ذهب ليأتي بجذوةٍ من نار…
فرجع بالنبوة.
— وأنا ذهبت لأرى جمال ربي…
فرجعت مجنونًا.
رحل المجنون ضاحكًا…
وبقي العابد يبكي، ويتمتم:
“ليس هذا بمجنون…
بل هو أعقل العقلاء،
وأنا المجنون الحقيقي،
وسأكتب كلامه بالدموع.”
هذا الحوار ليس حكاية عابرة،
بل ميزان قلوب:
عبادة الخوف وحدها قد تُقسي القلب
وعبادة الحب وحدها قد تُنجي الروح
وأكمل الناس من جمع الخوف والرجاء والمحبة
فالله لا يُعبد فقط خوفًا من ناره…
بل شوقًا إلى لقائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى