مقالات الرأي

الراصِدُ والمِرْصادُ في تَعَهُّدِ فَلَذاتِ الأكبادِ

الراصِدُ والمِرْصادُ في تَعَهُّدِ فَلَذاتِ الأكبادِ

كتب سمير ألحيان إبن الحسين
حينَ يُصبِحُ الحُبُّ يَقَظَةً
صاحِبوهُم، تَعَهَّدوهُم، راقِبوهُم؛ فالبَراءةُ قد تَنساقُ مع كُلِّ ثَعلَبٍ يَمدُّ لها طُعمًا!
ليستِ الأسرةُ مجرَّدَ سقفٍ يجتمعُ تحتَه أفرادٌ، ولا الزواجُ مجرَّدَ عقدٍ تُستوفى شروطُه ثم تُطوى صفحتُه؛ بل إنَّهما، في التصوُّر الإسلامي، بناءٌ إنسانيٌّ وأخلاقيٌّ تتفرَّعُ عنه مسؤولياتٌ عظيمة، ويُرادُ له أن يكونَ مَحضِنًا للسَّكَنِ والمودَّةِ والرَّحمةِ، ومَهدًا لإنسانٍ صالحٍ يحملُ أمانةَ الحياةِ ورسالةَ الاستخلاف.
ومن هنا، فإنَّ الحديثَ عن الزواجِ لا ينبغي أن يتوقَّفَ عند حدودِ الرغبةِ والمَتعةِ وقضاءِ الأوطارِ العابرة، بل ينبغي أن يمتدَّ إلى السؤالِ الأكبر:
ماذا نريدُ أن نصنعَ بهذا الزواج؟ وأيَّ إنسانٍ نريدُ أن نُخرِجَه من رحمِ هذه الأسرة؟
فالنسلُ، في التصوُّر الإسلامي، ليس مجرَّدَ أرقامٍ تتكاثرُ في سجلاتِ الإحصاءِ، ولا أجسادًا تتوالدُ ثم تُتركُ للأيامِ كي تفعلَ بها ما تشاء؛ وإنَّما العبرةُ في النوعِ قبلَ الكمِّ، وفي الإنسانِ قبلَ العددِ، وفي جودةِ التربيةِ قبلَ كثرةِ المواليدِ.
إنَّ الأمةَ لا تحتاجُ إلى أن تملأَ الأرضَ بالأبناءِ فحسب، وإنَّما تحتاجُ إلى أن تملأَ الأرضَ بالإنسانِ الصالحِ، الواعي، المستقيمِ، القادرِ على حملِ الأمانةِ وإضافةِ شيءٍ إلى الحياة.
ومن هنا أيضًا تتجلّى خطورةُ الأسرة؛ فهي ليست خليةً اجتماعيةً عابرة، بل إحدى أهمِّ القلاعِ التي يُبنى داخلَ أسوارِها الإنسانُ قبلَ أن يخرجَ إلى المجتمع.
فإذا صلحتْ، صلحَ جزءٌ عظيمٌ من المجتمعِ، وإذا تصدَّعتْ، انعكسَ تصدُّعُها على الأبناءِ، ثم على المدرسةِ والشارعِ والمؤسسةِ والمجتمعِ كلِّه.
الأسرةُ… آخرُ القلاع
إنَّ الأسرةَ قلعةٌ من قلاعِ الأمة، وأحدُ خطوطِ دفاعِها الأولى؛ ولذلك فإنَّ تحصينَها ليس ترفًا اجتماعيًّا، ولا شأنًا خاصًّا بأفرادِها فحسب، بل هو مسؤوليةٌ تتعلَّقُ بمصيرِ الأجيال.
ولعلَّ من أعظمِ ما يكشفُ خطورةَ هدمِ العلاقةِ الزوجيةِ قولُ اللهِ تعالى:
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
[البقرة: 102].
إنَّ التفريقَ بين الزوجين ليس مجرَّدَ نهايةِ علاقةٍ عاطفية؛ فقد يكونُ، حين يُصبحُ خصامًا دائمًا وانهيارًا للأسرة، بدايةَ سلسلةٍ من الآثارِ التي يدفعُ الأبناءُ ثمنَها، ويُصبحُ البيتُ الذي كان ينبغي أن يكونَ مأمنًا لهم مصدرًا للخوفِ والاضطراب.
ولهذا فإنَّ الأسرةَ التي تُبنى على المودَّةِ والرحمةِ والتآزرِ وتحملِ المسؤولية، ليست أسرةً ناجحةً في حياتِها الخاصةِ فحسب، بل هي مساهمةٌ مباشرةٌ في صناعةِ مجتمعٍ أكثرَ تماسكًا.
قبلَ أن تتزوَّجَ امرأةً… تزوَّجْ قضيَّةً
يا أخي الحبيب، قبلَ أن تُقبِلَ على الزواجِ، اسألْ نفسَك:
أيُّ حياةٍ أريد؟ وأيُّ بيتٍ أريد أن أبني؟ وأيُّ أبناءٍ أريد أن أقدِّمَهم للحياة؟
فالزواجُ الذي يُبنى على الشهوةِ وحدَها قد تنتهي دوافعُه بانتهاءِ لذَّتِها، أمَّا الزواجُ الذي يُبنى على المودَّةِ والرحمةِ والتآزرِ والمسؤوليةِ، فإنه يمتلكُ من مقوِّماتِ البقاءِ ما يتجاوزُ تقلُّباتِ الرغباتِ العابرة.
وقد أرشدَنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى معيارٍ عظيمٍ عند اختيارِ الزوجة، فقال:«تُنْكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، ولحسَبِها، ولجمالِها، ولدينِها؛ فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يداكَ»
فالدينُ هنا ليس مظهرًا خارجيًّا، ولا بطاقةَ تعريفٍ اجتماعية، بل منظومةُ قيمٍ وضميرٍ وأمانةٍ ومسؤولية.
وكذلك الرجلُ؛ إذ لا تُبنى الأسرةُ الصالحةُ بصلاحِ أحدِ طرفَيها وحدَه، وإنَّما بتكاملِ الصلاحِ والمسؤوليةِ بين الزوجين.
ولهذا أقول:
قبلَ أن تتزوَّجَ امرأةً، تزوَّجْ قضيَّةً؛ وقبلَ أن تفكِّرَ في إنجابِ الأبناءِ، فكِّرْ في الإنسانِ الذي ستُخرِجُه إلى الحياة.
فزواجُ القضايا والأهدافِ أبقى وأثمنُ من زواجِ المصالحِ الظرفيةِ الزائلة؛ لأنَّ ما يجمعُه الهدفُ المشتركُ قد يصمدُ أمامَ ما تُسقطُه الرغباتُ المؤقتة.
المعركةُ الكبرى تبدأ بعدَ الولادة
لكنَّ الحكايةَ لا تنتهي عندَ اختيارِ الزوجة، ولا عندَ عقدِ القِران، ولا حتى عندَ ولادةِ الطفل.
هناك تبدأُ المعركةُ الحقيقية.
إنَّ تربيةَ الأبناءِ من أشقِّ المسؤولياتِ وأعظمِها؛ لأنَّك لا تتعاملُ مع مادةٍ جامدةٍ تُشكِّلُها كيفَ تشاء، بل مع إنسانٍ له عقلٌ وقلبٌ وشخصيةٌ وأسئلةٌ ومخاوفُ وأحلام.
وهنا لا يكفي أن تُطعِمَه وتُلبسَه وتُعلِّمَه القراءةَ والكتابةَ؛ بل عليك أن تُعلِّمَه كيفَ يكونُ إنسانًا.
فبحُسنِ تربيتِكَ لأبنائِكَ، لا تقدِّمُ لأسرتِكَ أبناءً صالحينَ فحسب، بل تقدِّمُ للأمةِ وللإنسانيةِ قيمةً مضافةً.
فالأممُ لا تُبنى بكثرةِ الأجسادِ، وإنَّما بجودةِ الإنسان.
وحينَ يخرجُ فلذَةُ الكبدِ من بابِ البيت…
وهنا تبدأُ مرحلةٌ أخرى من المسؤولية.
يكبرُ الطفلُ، ويحملُ حقيبتَه، ويغادرُ دفءَ البيتِ إلى المدرسةِ، ثم إلى المعهدِ، ثم إلى فضاءاتٍ أخرى من المجتمع.
وهنا لا تنتهي مهمَّةُ الأبِ والأمِّ، بل تتَّخذُ شكلًا جديدًا.
فالطفلُ الذي كانَ بينَ أعيُنِ والديه طوالَ اليوم، أصبحَ يقضي ساعاتٍ طويلةً بعيدًا عنهما، في بيئةٍ جديدة، وبينَ وجوهٍ جديدة، وسلطةٍ جديدة، وعلاقاتٍ جديدة.
وقد تكونُ هذه التجربةُ بالنسبةِ إلى بعضِ الأطفالِ أوَّلَ حاجزٍ نفسيٍّ كبيرٍ في حياتِهم.
ولهذا فإنَّ الدخولَ المدرسيَّ ليس مجرَّدَ انتقالٍ من العطلةِ إلى الدراسة؛ بل قد يكونُ انتقالًا من عالمٍ مألوفٍ إلى عالمٍ جديدٍ يحتاجُ فيه الطفلُ إلى المواكبةِ الهادئةِ، والاستماعِ الحكيمِ، والتوجيهِ الرصين.
وهنا تحديدًا…
يصبحُ الحبُّ يقظةً.
إلى كلِّ أبٍ وأمٍّ…
أعلمُ يقينًا أنَّكم تحرصونَ على أبنائِكم حرصَ الروحِ على الجسد، وتحلمونَ لهم بمستقبلٍ زاهرٍ وحياةٍ كريمة، وتبذلونَ في سبيلِ ذلك من الجهدِ والتضحيةِ ما قد لا يراهُ أحد.
لكنَّ هناك حقيقةً مؤلمةً لا يجوزُ التغافلُ عنها.
نحنُ نرسلُ أبناءَنا إلى المدارسِ، ونضعُهم في مؤسساتٍ نرجو أن تكونَ بيئاتٍ آمنةً، ونمنحُ الثقةَ لمن يتولَّى تعليمَهم وتكوينَهم ورعايتَهم.
لكن…
ليس كلُّ من يحملُ شهادةً يحملُ ضميرًا، وليس كلُّ من شغلَ موقعًا استحقَّ الثقةَ المطلقة.
وقد يحدثُ، في حالاتٍ مؤلمةٍ، أن يستغلَّ بعضُ ضعافِ النفوسِ مواقعَهم أو سلطاتِهم، فيتجاوزونَ حدودَ الأمانةِ إلى الاعتداءِ على من اؤتمنوا عليهم.
وهنا تكونُ الجريمةُ مضاعفةً؛ لأنَّ المعتدي لا يطعنُ جسدَ الطفلِ أو نفسَه فحسب، بل يطعنُ كذلك الثقةَ التي أودعها الأهلُ في المؤسسةِ وفي صاحبِ الموقع.
الطفلُ الذي يصمت… لا يعني أنَّه لم يتألَّم
والطفلُ، ذلك الكائنُ الغضُّ الهشُّ، قد لا يتكلَّم.
ليس لأنَّه لا يريدُ الكلام، وإنَّما لأنَّه قد يخاف.
يخافُ أن يُلام.
يخافُ ألّا يُصدَّق.
يخافُ الفضيحةَ.
يخافُ أن يتحوَّلَ جرحُه إلى وصمةٍ تلاحقُه.
يخافُ أن يُقالَ له: «أنتَ السبب!»
وهكذا قد يحملُ طفلٌ صغيرٌ في صدرِه ألمًا أكبرَ من قدرتِه على التعبير، ويكبرُ الجرحُ معه بينما يظلُّ العالمُ من حولِه لا يرى منه شيئًا.
وهنا تكمنُ الكارثة.
أن يُكسَرَ الطفلُ في صمت.
أن تُشوَّهَ براءتُه من الداخلِ قبلَ أن يكتملَ نموُّه.
أن يحملَ ندبةً لا تُرى، ولكنَّها قد تؤلمُه كلَّ يوم.
لا تكتفوا بالثقة… ابنوا الأمان
رسالتي إليكم ليست دعوةً إلى الهلع، ولا إلى تحويلِ حياةِ الأبناءِ إلى تحقيقٍ دائم، ولا إلى زرعِ الشكِّ في كلِّ معلِّمٍ أو مربٍّ أو مؤسسة.
إنَّما هي دعوةٌ إلى اليقظةِ الواعية.
لا تكتفوا بالثقةِ… تحقَّقوا.
لا تكتفوا بالإرسالِ… اسألوا.
لا تكتفوا بالمراقبةِ… واكِبوا.
لا تكتفوا بالحبِّ… استمعوا.
اجعلوا أبناءَكم يعرفونَ أنَّ أجسادَهم لها حرمةٌ، وأنَّ لهم حقَّ الرفضِ عندما يتجاوزُ أحدٌ حدودَه، وأنَّ أصواتَهم مسموعة، وأنَّهم إذا تكلَّموا فلن يجدوا في بيوتِهم جدارًا من التكذيبِ واللوم.
علِّموهم أنَّ طلبَ المساعدةِ ليس عيبًا، وأنَّ السكوتَ عن الألمِ ليس بطولةً، وأنَّ الكرامةَ لا تعني إخفاءَ الجرحِ، بل تعني طلبَ الحمايةِ عندما يقعُ الخطر.
وفي الوقتِ نفسه، طالبوا بمؤسساتٍ أكثرَ أمانًا، وآلياتِ حمايةٍ ومساءلةٍ واضحة، ورقابةٍ مسؤولة، وبيئاتٍ يستطيعُ فيها الطفلُ أن يتكلَّم دونَ خوفٍ من الانتقامِ أو التشهير.
فالوقايةُ ليست شكًّا.
الوقايةُ وعي.
والمواكبةُ ليست تجسُّسًا.
المواكبةُ حبٌّ يعرفُ كيفَ يحرس.
فالطفلُ يحتاجُ إلى التعليم… لكنه يحتاجُ إلى الأمانِ أولًا
قد نعلِّمُ الطفلَ الحسابَ واللغةَ والعلومَ والتاريخ، لكنَّ كلَّ ذلك يفقدُ جزءًا من معناه إذا كانَ الطفلُ يعيشُ في داخله خوفًا لا يستطيعُ التعبيرَ عنه.
فالطفلُ الآمنُ هو القادرُ على التعلُّمِ والنموِّ وبناءِ الثقةِ في نفسِه وفي الآخرين.
أمَّا الطفلُ الذي يفقدُ أمانَه، فقد يحملُ معه إلى المستقبلِ جرحًا لا يظهرُ في دفترِ العلاماتِ، ولا في شهادةِ النجاحِ، ولا في ملامحِ الوجهِ.
ولهذا فإنَّ حمايةَ الطفلِ ليست أمرًا ثانويًّا يأتي بعدَ التعليم.
إنَّها شرطٌ من شروطِ التعليمِ السليم.
أيُّها الأب… أيَّتها الأم…
الأمُّ التي حملتْ طفلَها تسعةَ أشهر، وسهرتْ الليالي، وتحمَّلتْ ألمَ الولادةِ والتربية، لم تفعلْ كلَّ ذلكَ ليأتي يومٌ يُسلبُ فيه أمانُ طفلِها.
والأبُ الذي أفنى عمرَه في السعيِ والعملِ وتوفيرِ أسبابِ الحياة، لم يفعلْ ذلكَ ليكتشفَ يومًا أنَّه كانَ حاضرًا في تأمينِ حاجاتِ ابنِه، لكنه غائبٌ عن عالمِه الداخلي.
لم تُنجبوا أبناءَكم ليعيشوا الخوفَ بدلَ السلام، ولا ليحملوا جراحًا لا يعرفونَ كيفَ يصفونَها.
أنتم تريدونَ لهم أن يكبروا أقوياءَ، آمنينَ، مطمئنِّين، قادرينَ على مواجهةِ الحياة.
فكونوا لهم الملجأَ قبلَ أن يبحثوا عن ملجأ، والأذنَ قبلَ أن يبحثوا عمَّن يسمع، واليدَ التي تحمي قبلَ أن تمتدَّ إليهم يدٌ غادرة.
والرسالةُ ليست إلى أبٍ وأمٍّ فقط
كما تتمنَّى أنت لطفلِكَ الأفضل، وتحلمُ له بحياةٍ كريمةٍ خاليةٍ من الألم، فإنَّ غيرَكَ يحملُ الحلمَ نفسَه، والخوفَ نفسَه، والدعاءَ الصامتَ نفسَه.
ولهذا فإنَّ حمايةَ الأطفالِ ليست وظيفةَ الأسرةِ وحدَها.
إنَّها مسؤوليةُ المدرسةِ، والمؤسسةِ، والمجتمعِ، والقانونِ، وكلِّ إنسانٍ يستطيعُ أن يمنعَ أذًى أو يرفعَ ظلمًا أو يفتحَ بابًا للنجدة.
فالأطفالُ ليسوا ملكًا لأحد… بل أمانةٌ في أعناقِ الجميع.
وإذا كانَ الحبُّ هو الذي أنجبَهم إلى الحياة، فإنَّ اليقظةَ هي التي تحرسُ طريقَهم فيها.
فصاحِبوهم…
تعهَّدوهم…
واكِبوهم…
استمعوا إليهم…
وعلِّموهم أنَّ أبوابَكم لن تُغلَقَ في وجوهِهم مهما كانَ ما سيقولون.
لأنَّ الطفلَ الذي يعرفُ أنَّ بيتَه مأمنُه، يستطيعُ أن يواجهَ العالمَ بقلبٍ أكثرَ طمأنينة.
وأمَّا الطفلُ الذي يفقدُ مأمنَه الأوَّل…
فقد يبحثُ عن الأمانِ في أماكنَ لا تعرفُ كيفَ تحميه.
فكونوا أنتم أمانَه الأوَّل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى